رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٦٩ - الفصل الثّامن فى ذكر النفس الإنسانية من مرتبة بدئها إلى مرتبة كمالها
و المجانسة، و الاتفاق و الاختلاف، و الوحدة و الكثرة، و إثبات مبادي العلوم النظرية من الرياضية و الطبيعة و المنطقية التى لا يتوصل إليها إلا بهذا العلم، و كإثبات المبدع الأول و النفس الكلية، و كيفية الإبداع، و مرتبة العقل من الإبداع، و مرتبة النفس من العقل، و مرتبة الهيولى من الطبيعية، و الصورة من النفس، و مرتبة الأفلاك و الأنجم و الكائنات من الهيولى و الصورة، و لما ذا اختلفت كل هذا الاختلاف فى التقدم و التأخر، و معرفة السياسة الإلهية، و الطبيعية الكلية، و العناية الأولية، و الوحى النبوى، و الروح المقدس الربانى، و الملائكة العلوية، و التوصل إلى حقيقة تنزيه المبدع عن الشرك و التشبيه، و التوصل إلى معرفة ما أعد للمحسنين من الثواب و للمسيئين من العقاب، و اللذة و الألم الواصلين إلى النفوس بعد فراقها الأبدان.
و هذه القوة التى تتصور هذه المعانى قد تستفيد من الحس صورا عقلية بجبلة غريزية لها، و هى أن تعرض على ذاتها الصور التى فى القوة المتصورة و القوة الحافظة باستخدام المتخيلة و الوهمية، ثم تنظر فيها فتجدها قد اشتركت فى صور و افترقت فى صور، و تجد بعض ما فيها من الصور ذاتية و بعضها عرضية. أما اشتراكها فى الصور فكاشتراك صور إنسان و حمار فى المتصور فى الحياة و افتراقهما بالنطق و اللانطق؛ و أما الذاتية فكالحياة فيهما، و أما العرضية فكالسواد و البياض. فإذا وجدناهما على هذه الصورة جعل كل واحد من هذه الصور الذاتية و العرضية و المشتركة و الخاصية صورة واحدة عقلية كلية على حدة، فتستنبط بهذه الجبلة الأجناس و الأنواع و الفصول و الخواص و الأعراض العقلية، ثم تركب هذه المعانى المفردة تركيبات جزئية، ثم تركبها تركيبات قياسية، فتستنتج منها فوائد من النتائج.
و جميع ذلك لها بخدمة القوى الحيوانية و إعانة العقل الكلى- على ما سنوضحه- و توسط ما جبل فيه من البداية الضرورية العقلية. و هذه القوة، و إن استعانت بالقوة الحسية عند استنباطها الصور العقلية المفردة من الصور الحسية، فهى غير محتاجة إليها فى تصوير هذه