العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٤ - و فود العرب على كسرى
قال له كسرى: نطقت بعقل، و سموت بفضل، و علوت بنبل.
ثم قام علقمة بن علاثة العامريّ فقال: أنهجت لك سبل الرشاد، و خضعت لك رقاب العباد: إن للأقاويل مناهج، و للآراء موالج، و للعويص مخارج؛ و خير القول أصدقه، و أفضل الطلب أنجحه. إنّا و إن كانت المحبّة أحضرتنا، و الوفادة قرّبنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب [١] عنك، بل لو قست كلّ رجل منهم و علمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه دنيا أندادا و أكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، و بالشرف و السؤدد موصوف، و بالرأي الفاضل و الأدب النافذ معروف، يحمى حماه، و يروى نداماه، و يذود أعداه؛ لا تخمد ناره، و لا يحترز منه جاره. أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم؛ فاصطنع العرب، فإنها الجبال الرواسي عزّا، و البحور الزواخر طميّا [٢] ، و النجوم الزواهر شرفا، و الحصى عددا؛ فإن تعرف لهم فضلهم يعزّوك، و إن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى-و خشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه: حسبك، أبلغت و أحسنت.
ثم قام قيس بن الشّيباني فقال: أطاب اللّه بك المراشد، و جنّبك المصائب، و وقاك مكروه الشّصائب [٣] ؛ ما أحقّنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك، و لا يزرع لنا حقدا في قلبك؛ لم نقدم أيها الملك لمساماة، و لم ننتسب لمعاداة، و لكن لتعلم أنت و رعيتك و من حضرك من وفود الأمم أنّا في المنطق غير محجمين، و في اليأس غير مقصرين؛ إن جورينا فغير مسبوقين، و إن سومينا فغير مغلوبين.
قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين. و هو يعرّض به في تركه الوفاء بضمانه السّواد [٤] .
[١] عزب: غاب.
[٢] الطمي: الامتلاء و ارتفاع الموج.
[٣] الشصائب: الشدائد.
[٤] يريد سواد العراق.