العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٢ - و فود العرب على كسرى
ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظّها، و علوّ ثنائها. من طال رشاؤه كثر متحه [١] ، و من ذهب ماله قلّ منحه. تناقل الأقاويل يعرّف اللّب؛ و هذا مقام سيوجف [٢] بما ينطق فيه الرّكّب، و تعرف به كنه حالنا العجم و العرب؛ و نحن جيرانك الأدنون، و أعوانك المعينون، خيولنا جمّة، و جيوشنا فخمة، إن استنجدتنا فغير ربض [٣] ، و إن استطرقتنا فغير جهض [٤] ، و إن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، و لا نتنكّر لدهر، رماحنا طوال، و أعمارنا قصار.
قال كسرى: أنفس عزيزة، و أمة و اللّه ضعيفة.
قال الحارث: أيها الملك، و أنى يكون لضعيف عزّة، أو لصغير مرّة؟ قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك.
قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرّرا بنفسه على الموت، فهي منية استقبلها، و حياة استدبرها؛ و العرب تعلم أني أبعث الحرب قدما، و أحبسها و هي تصرّف بهم، حتى إذا جاشت نارها، و سعرت لظاها، و كشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحى، و برقها سيفي، و رعدها زئيري، و لم أقصّر عن خوض خضاخضها [٥] ، حتى أنغمس في غمرات لججها، و أكون فلكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دما، و أترك حماتها جزر السباع و كلّ نسر قشعم [٦] .
ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أ كذلك هو؟
[١] الرشاء: الحبل، و المتح: إخراج الماء من البئر.
[٢] الايجاف: سرعة السير.
[٣] ربض: جمع ربوض، من ربضت الشاة إذا أقامت مكانها و لزمته.
[٤] و إن استطرقتنا فغير جهض: أي إذا استغنت بنا لم تخب استعانتك، و الأصل في الاستطراق: طلبك الفحل يضرب في إبلك و جهض: جمع جهيض، و هو سقط الناقة، أي أن مخلنا إذا ضرب النياق لم تأت بجهيض بل تنتج.
[٥] الخضاخض: المكان الكثير الماء.
[٦] القشعم: المسنّ.