العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٣ - شيء عن حاتم
يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا أيها القوم، عليكم بالنار. فاجتمعوا و التفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا، فلا و اللّه إن ذاق منه مزعة و إنه لأحوج إليه منّا؛ فأصبحنا و ما على الأرض من الفرس إلاّ عظم و حافر. فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلّي اللّوم و العذلا # و لا تقولي لشيء فات ما فعلا
و لا تقولي لمال كنت مهلكه # مهلا و إن كنت أعطي الأنس و الخبلا [١]
يرى البخيل سبيل المال واحدة # إنّ الجواد يرى في ماله سبلا
و رئي حاتم يوما يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدلّ عليه أضيافه و هو يقول:
أقول لابني و قد سطت يديه # بكلبة لا يزال يجلدها [٢]
أوصيك خيرا بها فإن لها # عندي يدا لا أزال أحمدها
تدل ضيفي عليّ في غلس الليـ # ل إذا النار نام موقدها
ذكرت طيء عند عديّ بن حاتم أن رجلا يعرف بأبي الخيبريّ مر بقبر حاتم فنزل به و جعل ينادي: أبا عدي: أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلا ما تكلم من رمّة بالية؟فقال: إن طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه، كالمستهزئ فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: وا راحلتاه: فقال له أصحابه: ما شأنك؟ قال: خرج و اللّه حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي و أنا أنظر إليها. فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث. فقالوا: قد و اللّه أقراك. فنحروها و ظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه و انطلقوا، فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عديّ ابن حاتم و معه جمل قد قرنه ببعيره، فقال إن حاتما جاء في النوم فذكر لي قولك و أنه أقراك و أصحابك راحلتك، و قال أبياتا ردّدها عليّ حتى حفظتها، و هي:
أبا الخيبريّ و أنت امرؤ # حسود العشيرة شتّامها
فما ذا أردت إلى رمّة # بداوية صخب هامها [٣]
[١] الخبل: الجنّ.
[٢] سطت: منعت و أمسكت.
[٣] الرمّة: العظام البالية، و الداوية: الفلاة و الهام: جمع هامة، و هي طائر تزعم العرب أنّه كان يخرج من رأس القتيل و يصيح اسقوني، حتى يؤخذ بثأره.