العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٦ - و فود الشعبي على عبد الملك بن مروان
قولك آنفا؟قالت: رأيت شيخا كبيرا، و أرى أمير المؤمنين أشبّ الناس و أجملهم، و لست مختارة عليه أحدا، قال: دونكها يا مسيلمة قال بديح، فنشرت عليه الكسوة و الدنانير التي معي، و أريته الجواري و الطّيب. قال: عافى اللّه ابن جعفر!أخشي ألا يكون لها عندنا نفقة و طيب و كسوة؟فقلت: بلى، و لكنه أحبّ أن يكون معها ما تكتفي به حتى تستأنس. قال: فقبضها مسلمة، فلم تلبث عنده إلا يسيرا حتى هلكت.
قال بديح: فو اللّه الذي ذهب بنفس مسلمة، ما جلست معه مجلسا و لا وقفت موقفا أنازعه فيه الحديث، إلا قال: ابغني مثل فلانة. فأقول: ابغني مثل ابن جعفر.
قال: فقلت لبديح: ويلك!فما أجازه به؟قال: قال حين دفع إليه حاجته و دينه:
لأجيزنك جائزة لو نشر لي مروان من قبره ما زدته عليها. فأمر له بمائة ألف. و ايم اللّه إني لا أحسبه أنفق في هديته و مسيره ذلك و جاريته التي كانت عدل نفسه مائتي ألف.
و فود الشعبي على عبد الملك بن مروان
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أن ابعث إليّ رجلا يصلح للدين و الدنيا، أتخذه سميرا و جليسا و خليّا. فقال الحجاج: ما ماله إلا عامر الشّعبي.
و بعث به إليه؛ فلما دخل عليه وجده قد كبا مهتما، فقال: ما بال أمير المؤمنين؟قال ذكرت قول زهير [١] :
كأنّي و قد جاوزت سبعين حجّة # خلعت بها عني عذار لجامي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى # فكيف بمن يرمى و ليس برامي
فلو أنني أرمى بنبل رأيتها # و لكنّني أرمى بغير سهام
على الراحتين تارة و على العصا # أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي [٢]
قال له الشّعبي: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، و لكن كما قال لبيد بن ربيعة، و قد بلغ سبعين حجة:
[١] ينسب هذا الشعر لعمرو بن قميئة.
[٢] أنوء: أثقل.