العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٤ - وفود عبد اللّه بن جعفر على عبد الملك بن مروان
إليه، إذا بفارس قد أقبل علينا، فقال أبا جعفر، إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك، و يقول لك: جمعت له وخش رقيق الحجاز و أبّاقهم و حبست عنا فلانة، فابعث بها إلينا-و ذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدّثهم عن هدايا ابن جعفر و يعظمها عندهم، فقال له يحيى بن الحكم: و ما ذا أهدى إليك ابن جعفر؟جمع لك وخش رقيق الحجاز و أبّاقهم و حبس عنك فلانة. قال: ويلك، و ما فلانة هذه؟ قال: ما لم يسمع واد أحد بمثلها قطّ جمالا و كمالا و خلقا و أدبا، لو أراد كرامتك بعث بها إليك. قال: و أين تراها. و أين تكون؟قال: هي و اللّه معه، و هي نفسه التي بين جنبيه-فلما قال الرسول ما قال، و كان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر، إذا سمع ما يكره تصامّ، فأقبل عليه فقال: ما يقول يا بديح؟قال: قلت: فإنّ أمير المؤمنين يقرأ السلام و يقول: إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول: إن اللّه نصر المسلمين و أعزهم. قال: اقرأ أمير المؤمنين السلام، و قل له: أعز اللّه نصرك، و كبت عدوك.
فقال الرسول: يا أبا جعفر، إني لست أقول هذا. و أعاد مقالته الأولى. فسألني فصرفته إلى وجه آخر. فأقبل عليّ الرسول، فقال: يا ماصّ... أ برسل أمير المؤمنين تهكّم، و عن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب؟أما و اللّه لأطلّنّ دمك. فانصرف، و أقبل عليّ بن جعفر فقال: من ترى صاحبنا؟قال: صاحبك بالأمس. قال: أظنه! فما الرأي عندك؟قلت: يا أبا جعفر، قد تكلّفت له ما تكلفت، فإن منعتها إياه جعلتها سببا لمنعك، و لو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه. قال: ادعها لي فلما أقبلت. رحّب بها ثم أجلسها إلى جنبه، ثم قال: أما و اللّه ما كنت أظن أن يفرق بيني و بينك إلا الموت. قالت: و ما ذاك؟قال: إنه حدث أمر، و ليس و اللّه كائنا فيه إلا ما أحببت، جاء الدهر فيه بما جاء. قالت: و ما هو؟قال:
إن أمير المؤمنين بعث يطلبك. فإن تهوى فذاك، و إلا و اللّه لم يكن أبدا. قالت: ما شيء لك فيه هوى و لا أظنّ فيه فرجا عنك إلا فديته بنفسي، و أرسلت عينها بالبكاء. فقال لها: أما إذا فعلت فلا ترينّ مكروها: فمسحت عينيها، و أشار إليّ فقال: ويحك يا بديح استحثها قبل أن تتقدّم إليّ من القوم بادرة. قال: و دعا بأربع