العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٦ - و فود العرب على كسرى
قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطّفيل؟ قال: لست بكاهن، و لكني بالرمح طاعن.
قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟ قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، و ما أذهب عيني عيث [١] و لكن مطاوعة العيث.
ثم قام عمرو بن معد يكرب الزّبيدي فقال: إنما المرء بأصغريه: قلبه و لسانه فبلاغ المنطق الصواب، و ملاك النّجعة الارتياد، و غفو الرأي خير من استكراه الفكرة، و توقّف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ [٢] طاعتنا بلفظك، و اكتظم [٣] بادرتنا بحلمك، و ألن لنا كنفك [٤] يسلس لك قيادنا، فإنّا أناس لم يوقس [٥] صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضما، و لكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضما.
ثم قام الحارث بن ظالم المرّي فقال: إنّ من آفة المنطق الكذب، و من لؤم الأخلاق الملق [٦] ، و من خطل الرأي خفة الملك المسلّط، فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن ائتلاف، و انقيادنا لك عن تصاف، ما أنت لقبول ذلك منا بخليق، و لا للاعتماد عليه بحقيق، و لكن الوفاء بالعهود، و إحكام ولث العقود، و الأمر بيننا و بينك معتدل، ما لم يأت من قبلك ميل أو زلل.
قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم.
قال: إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك، و أن تكون أولى بالغدر، و أقرب من الوزر.
[١] العيث: الفساد.
[٢] اجتبذ: اجتذب و استمل.
[٣] اكتظم: احتمل و اصطبر
[٤] كنفك: جانبك.
[٥] لم يوقس: لم يخدش.
[٦] الملق: الرياء.