العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٢ - شيء عن حاتم
شيء عن حاتم
و لكن المضروب به المثل حاتم وحده، و هو القائل لغلامه يسار، و كان إذا اشتدّ البرد و كلب الشتاء أمر غلامه فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوه، فقال في ذلك:
أوقد فإنّ اللّيل ليل قرّ # و الريح يا موقد ريح صرّ [١]
علّ يرى نارك من يمرّ # إن جلبت ضيفا فأنت حرّ
و قالوا: لم يكن حاتم ممسكا شيئا ما عدا فرسه و سلاحه، فإنه كان لا يجود بهما.
و مرّ حاتم في سفره على عنزة و فيهم أسير، فاستغاث بحاتم و لم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيين و أطلقه و أقام مكانه في القيد حتى أدّى فداءه.
و قالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض و اغبرّ أفق السماء، و راحت الإبل حدبا حدابير [٢] ، و ضنت المراضع على أولادها فما تبضّ [٣] بقطرة، و حلقت [٤] السنة المال و أيقنّا بالهلاك. فو اللّه إنا لفي ليلة صنّبر [٥] بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد اللّه و عديّ و سفّانة: فقام حاتم إلى الصّبيّين و قمت أنا إلى الصّبية، فو اللّه ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، و أقبل يعلّلني بالحديث. فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد، فقال: من هذا؟قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك يا أبا عديّ، فقال: أعجليهم فقد أشبعك اللّه و إياهم: فأقبلت المرأة تحمل اثنين و يمشي بجانبها أربعة؛ كأنها نعامة حولها رئالها؛ فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشطه عن جلده، و دفع المدية إلى المرأة فقال لها: شأنك؛ فاجتمعنا على اللحم نشوي و نأكل، ثم جعل يمشي في الحى
[١] ريح صرّ: أي ريح عاصفة باردة.
[٢] الحدابير: جمع حدبار و حدبير، و هي الناقة الضامر.
[٣] تبضّ: تجود.
[٤] حلقت المال: أهلكته و أفنته.
[٥] صنّبر: شديدة البرد.