العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٤ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
شسوعه [١] عن محلة الملك، و دار السلطان، و مقرّ الإمامة و الولاية، و موضع المدائن و الخزائن، و مستقرّ الجنود، و موضع الوجوه، و مجمع الأموال التي جعلها اللّه قطبا لمدار الملك، و مصيدة لقلوب الناس، و مثابة لإخوان الطمع، و ثوّار الفتن، و دواعي البدع، و فرسان الضلال، و أبناء المروق؛ و قلنا: إن وجّه المهدي وليّ عهده فحدث في جيوشه و جنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطع المهدي أن يعقبه بغيره، إلا أن ينهض إليهم بنفسه؛ و هذا خطر عظيم، و هول شديد؛ و إن تنفّست الأيام بمقامه، و استدامت الحال بأيامه، حتى يقع عرض لا يستغني فيه، أو يحدث أمر لا بدّ فيه منه، صار ما بعده مما هو أعظم هولا و أجل خطرا. له تبعا و به متّصلا.
قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه؛ و على غير ما تصفون الأمر عليه، نحن أهل البيت. نجري من أسباب القضايا و مواقع الأمور على سابق من العلم، و محتوم من الأمر، قد أنبأت به الكتب، و تتابعت عليه الرسل، و قد تناهى ذلك بأجمعه إلينا، و تكامل بحذافيره [٢] عندنا، فبه ندبّر، و على اللّه نتوكل: إنه لا بدّ لوليّ عهدي-و وليّ عهدي عقبي بعدي-أن يقود إلى خراسان البعوث، و يتوجّه نحوها بالجنود.
أما الأول فإنه يقدّم إليهم رسله، و يعمل فيهم حيله، ثم يخرج نشطا إليهم، حنقا عليهم، يريد ألاّ يدع أحدا من إخوان الفتن، و دواعي البدع، و فرسان الضلال، إلا توطّأه بحرّ القتل، و ألبسه قناع القهر، و طوّقه طوق الذّل. و لا أحدا من الذين عملوا في قصّ جناح الفتنة، و إخماد نار البدعة، و نصرة ولاة الحق، إلا أجرى عليهم ديم فضله، و جداول بذله، فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه؛ لم يسر إلا قليلا حتى يأتيه أن قد عملت حيله؛ و كدحت كتبه؛ و نفذت مكايده؛ فهدأت نافرة القلوب، و وقعت طائرة الأهواء [٣] ، و اجتمع عليه المختلفون بالرضا؛ فيميل نظرا لهم و برّا بهم و تعطّفا عليهم، إلى عدوّ قد أخاف سبيلهم، و قطع طريقهم، و منع حجّاجهم بيت اللّه
[١] شسوعه: بعده.
[٢] حذافيره: نواحيه و جوانبه.
[٣] وقعت طائرة الأهواء: خمد غضبها و سكنت ثائرتها.