شعراء النصرانيه - لويس شيخو - الصفحة ٣١٧
ونقل ابن أبي أصيبعة عن موفق الدين البغدادي في هبة الله ابن التلميذ ما يدل على مروءته ونزاهته وعظم نفسه قال: (كان ابن التلميذ حسن العشرة كريم الأخلاق عنده سخاء ومرؤة وأعمال في الطب مشهورة وحدوس صائبة ... قال ومن مرؤته أن ظهر داره كان يلي المدرسة النظامية فإذا مرض فقيه نقله إليه وقام في مرضه عليه. فإذا أبل وهب له دينارين فصرفه) .
ومما حكاه عبد اللطيف عن أمين الدولة وكأنه قد تجاوز في هذه الحكاية قال: (وكأن أمين الدولة لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان فعرض لبعض الملوك النائية داره مرض مزمن فقيل له: ليس لك إلا ابن التلميذ وهو لا يقصد أحداً. فقال: أنا أتوجه إليه. فلما وصل أفرد له ولغمانه دوراً وأفاض عليه من الجرايات قدر الكفاية ولبث مدة. فبرئ الملك وتوجه إلى بلاده وأرسل إليه مع بعض التجار أربعة آلاف درهم وأربعة تخوت عتابي وأربعة مماليك وأربعة أفراس. فامتنع من قبولها وقال: أن علي يميناً أن لا أقبل من أحد شيئاً. فقال التاجر: هذا قدر كبير. فقال: (أنا لما حلفت لم أستثن) . وأقام شهراً يراوده وهو لا يزداد إلا غباءً ونأياً. فقال له عند الوداع: ها أنا أسافر ولا ارجع إلى صاحبي وأتمتع بالمال فتقلد منته وتفوتك منفعته ولا يعلم أحد أنك رددته. فقال: ألست أعلم في نفسي أني لم أقبله فنفسي تشرف بذلك علم الناس أو جهلوا) .
وكان ابن التلميذ مع سمو فضله حسن السمت وافر الوقار كثير التواضع. وجرى له مناقشات مع أحد حكماء زمانه أبي البركات هبة الله بن علي بن ملكا وكان يهودياً فأسلم وكان معروفاً بالصلف والكبرياء على خلاف ابن التلميذ فقال البديع الاسطرلابي فيهما:
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقيض
فذاك من التواضع في الثريا ... وهذا بالتكبر في الحضيض
ووصف أبو سعيد بن أبي سهل البغدادي ابن التلميذ فقال: (رأيت أمين الدولة ابن التلميذ فاجتمعت به وكان شيخاً ربع القامة عريض اللحية حلو الشمائل كثير النادرة (قال) وكان يحب صناعة الموسيقى وكان يميل إلى أهلها) .
وله أخبار كثيرة تدل على براعته في الطب رويناها سابقاً في المشرق.