مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٩ - ٢٩ سورة العنكبوت
وهم غافلون عن أنّه لا تفصل بين الخالق والمخلوق أيّة فاصلة.
إنّ الآية بعد ذكر هذا الدليل الواضح تتساءل: «فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ». أي مع هذا المال كيف يعرضون عن عبادة خالقهم ويستبدلونها بعبادة مجموعة من الأحجار والأخشاب؟!
«يؤفكون»: مشتقة من «إفك» ومعناها إعادة الشيء من صورته الواقعية والحقيقية.
والتعبير ب «يؤفكون» بصيغة المجهول إشارة إلى أنّهم لا قدرة لهم على التصميم، فكأنّهم منجذبون إلى عبادة الأوثان دون إرادة.
والمراد من تسخير الشمس والقمر النظم التي أقرها اللَّه تعالى، وجعل الشمس والقمر في دائرة هذه النظم في خدمة الإنسان، ومنافعه.
ثم يضيف القرآن تأكيداً لهذا المعنى، وهو أنّ اللَّه خالق الخلق ورازقهم، فيقول: «اللَّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ». فمفتاح الرزق بيده لا بيد الناس ولا بيد الأصنام.
وإذا كانوا يتصورون أنّ اللَّه قادر، إلّاأنّه غير مطّلع على حالهم، فهذا خطأ كبير ل «إِنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ».
وفي المرحلة الثانية يقع الكلام عن «التوحيد الربوبي» ونزول مصدر الأرزاق من قبله عليهم، فيقول: «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ». فهذا هو ما يعتقده عبدة الأصنام في الباطن، ولا يتأبون من الاعتراف على ألسنتهم، فهم يعرفون أنّ الخالق هو اللَّه، وأنّه ربّ العالم ومدبره.
ثم يضيف القرآن مخاطباً نبيّه: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ». فالحمد والثناء لمن أنعم جميع النعم.
وحيث إنّ أقوال المشركين من جهة، وأعمالهم وأفعالهم وكلماتهم من جهة اخرى، يناقض بعضها بعضاً، فإنّ الآية تختتم بإضافة الجملة التالية: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايَعْقِلُونَ».
وإلّا فكيف يمكن للإنسان العاقل أن يتناقض فيكلماته، فتارةً يرى أنّ الخالق والرازق والمدبر للعالم هو اللَّه، وتارة يسجد للأوثان التي لا تأثير لها بالنسبة لعواقب الناس.
ومن أجل أن يحوّل القرآن أفكارهم من أفق هذه الحياة المحدودة إلى عالم أوسع من خلال منظار العقل، فإنّه يبيّن في الآية التالية كيفية الحياة الدنيا قياساً إلى الحياة الاخرى الخالدة، في عبارة موجزة ومليئة بالمعاني، فيقول: «وَمَا هذِهِ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْأَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ». «اللهو»: معناه الإنشغال، أو كل عمل يصرف الإنسان إليه ويشغله عن مسائل الحياة الأساسية. أمّا «اللعب»: فيطلق على الأعمال التي