مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨١ - ٢٧ سورة النّمل
فتكون شجراً، هو اللَّه فحسب.
وبتعبير آخر: فإنّ التوحيد في الخلق يؤدّي إلى «توحيد الخالق»، والتوحيد في الربوبية «توحيد مدبّر هذا العالم» باعث على «توحيد العبادة».
ولذلك فالقرآن يقول في نهاية الآية: «أَءِلهٌ مَّعَ اللَّهِ» ولكن هؤلاء جهلة عدلوا عن اللَّه وعبدوا ما لا ينفعهم ولا يضرهم «بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» [١].
والسؤال الثاني بحث عن موهبة استقرار الأرض وثباتها، وأنّها مقر الإنسان في هذا العالم، فيقول: هل أنّ أصنامكم أفضل، «أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِللَهَا أَنْهرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ» [٢]. كما تحافظ على القشرة الأرضية من الزلازل، كما «وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا» ومانعاً من اختلاط البحر المالح بالبحر العذب.
وهكذا فقد ورد في هذه الآية ذكر أربع نعم عظيمة، ثلاث منها تتحدث عن استقرار الأرض.
ترى هل يمكن أن يكون هذا النظام قد وُلد عن طريق الصدفة العمياء الصمّاء، والمبدأ الفاقد للعقل والحكمة؟! وهل للأصنام تأثير في هذا النظام البديع المثير للدهشة؟!
حتى عبدة الأصنام لا يدعون مثل هذا الإدعاء! لذلك يكرر القرآن في ختام الآية هذا السؤال: «أَءِلهٌ مَّعَ اللَّهِ». حاش للَّه «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايَعْلَمُونَ».
السؤال الثالث من هذه الأسئلة الخمسة التي تحكي عن محاورة ومحاكمة المعنوية يتحدث عن حلّ المشكلات، وفتح الطرق الموصدة، وإجابة الدعاء، إذ تقول الآية التالية: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ».
أجل، عندما تُغلق جميع أبواب عالم الأسباب بوجه الإنسان، ويغدو مضطراً حيراناً لا حيلة له، فإنّ الذي يحلّ المعضلة، ويفتح أبواب الرحمة بوجه الناس المتحيرين، هو اللَّه لا غير.
وحيث إنّ الناس يدركون هذه الحقيقة بالفطرة في أعماق نفوسهم جميعاً، فإنّ المشركين
[١] قد يكون «يعدلون» من مادة «العدول» أي الإنحراف والرجوع من الحق إلى الباطل، أو أنّه مادة «عِدْل» على وزن (قِشر) ومعناه المعادل والنظير .. ففي الصورة الاولى مفهوم الآية أنّهم ينحرفون عن اللَّه الواحد إلى غيره، وفيالصورة الثانية مفهومها أنّهم يجعلون له عديلًا.
[٢] «الخلال»: في الأصل معناه الشق بين الشيئين؛ و «الرواسي»: جمع «راسية» وهي الثابتة.