مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٢ - ١٧ سورة الإسراء
ثانيا: إنّ جميع الأشخاص- رغم سعيهم الدنيوي- لا يحصلون على هذا المقدار، وإنّما قسم منهم سيحصل على جزء من متاع الدنيا. وهذا معنى قوله: «لِمَن نُّرِيدُ».
وبناءاً على ذلك، فلا كل طلّاب الدنيا يحصلون عليها، ولا اولئك الذين يحصلون على شيء منها، يحصلون على ما يريدون. ومسار الحياة اليومية يوضّح لنا هذين الشرطين، إذ ما أكثر الذين يكدّون ليلًا ونهاراً ولكنهم لا يحصلون على شيء.
وما أكثر الذين لهم امنيات كبيرة وطموحات متعددة ومشاريع بعيدة، ولكن لا يحصلون إلّاعلى القليل منها.
والجدير بالإنتباه هنا، أنّ عاقبة هذه المجموعة من الناس، والتي هي نار جهنّم، قد تمّ تأكيدها في الآية، بكلمتي «مَذْمُومًا» و «مَّدْحُورًا» إذ التعبير الأوّل يأتي بمعنى اللوم، بينما الثاني يعني الإبتعاد عن رحمة الخالق، وإنّ نار جهنّم تمثّل العقاب الجسدي لهم، أما «مذموم» و «مدحور» فهما عقاب الروح، لأنّ المعاد هو للروح وللجسد، والجزاء والعقاب يكون للإثنين معاً.
بعد ذلك تنتقل الآيات إلى توضيح وضع المجموعة الثانية ومصيرها، وبقرينة المقابلة- وهي أسلوب قرآني مميّز- يتوضّح الموضوع أكثر إذ يقول تعالى: «وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا».
بناءاً على ذلك هناك ثلاثة شروط أساسية للوصول إلى السعادة الأبدية، هي:
أوّلًا: إرادة الإنسان: وهي الإرادة التي ترتبط بالحياة الأبدية، ولا تكون مرتبطة باللذّات الزائلة والنعم غير الثابتة، والأهداف المادية.
ثانياً: هذه الإرادة يجب أن لا تكون ضعيفة وقاصرة في المجال الفكري والروحي للإنسان، بل إنّها يجب أن تشمل جميع ذرات الوجود الإنساني، وتدفعه للحركة، وببذل كل ما يستطيع من السعي في هذا المجال.
ثالثاً: إنّ كل ما سبق من حديث عن الإرادة في النقطتين السابقتين، ينبغي أن يقترن بالإيمان؛ الإيمان الثابت القوي. لأنّ أيّ تصميم وجهد، إذا أريد له أن يُثمر يجب أن تكون أهدافه صحيحة، ومصدر هذه الأهداف هو الإيمان باللَّه لا غير.
وقد يتوهم البعض ويلتبس عليه الأمر، ظانّاً أنّ نعم الدنيا هي من نصيب عبيدها وطلّابها فقط، وأنّ طلّاب الآخرة وأهلها محرومون منها، لذلك فإنّ الآية التي بعدها تقف