مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٩ - ٢٩ سورة العنكبوت
دعامة واهية كبيت العنكبوت: بيّنت الآيات السابقة ما آل إليه المشركون والمفسدون الظلمة والأنانيون من مصير وخيم وعاقبة سوداء وعذاب أليم ... وبهذه المناسبة، ففي الآيات التي بين أيدينا، يبيّن القرآن الكريم مثالًا بليغاً ومؤثراً يعبدون غير اللَّه ويتخذون من دونه أولياء، وكلّما أمعنا النظر في هذا المثال وفكرنا فيه مليّاً انقدحت في أذهاننا منه لطائف دقيقة، يقول تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».
والجدير بالذكر، أنّ بيت العنكبوت ونسيج خيوطه المضروب به المثل، هو نفسه من عجائب الخلق، والتدقيق فيه يعرف الإنسان على عظمة الخالق أكثر.
فلو دققنا النظر في بيوت العنكبوت لرأينا منظراً طريفاً مثل الشمس وأشعتها مستقرةً على قواعد هذا «البناء النسيجي»، وبالطبع فإنّ هذا البيت مناسب للعنكبوت وكاف، ولكنه في المجموع لا يمكن تصور بيت أوهن منه، وهكذا بالنسبة إلى آلهة الضالين ومعبوديهم، إذ تركوا عبادة اللَّه والتجأوا إلى الأصنام والأحجار والأوثان.
أمّا الآية التالية ففيها تهديد لهؤلاء المشركين الغفلة الجهلة .. إذ تقول: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ» ولا يخفى على اللَّه شركهم الظاهر ولا شركهم الخفي «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» على الإطلاق.
وإذا أمهلهم، فليس بسبب العجز والضعف، أو عدم العلم، أو أنّ قدرته محدودة، بل كل ذلك من حكمته التي توجب أن يمنحوا الفرصة الكافية لتتم الحجة البالغة للَّهعليهم، فيهتدي من هو جدير بالهدى.
و الآية الثالثة- من الآيات محل البحث- لعلها تشير إلى ما استشكله أعداء الإسلام على النبي صلى الله عليه و آله في هذه الأمثلة التي ضربها اللَّه، وكانوا يقولون: اللَّه الذي خلق السماوات والأرض كيف يضرب الأمثال بالعنكبوت والذباب والحشرات وما شاكلها؟
فيردّ القرآن بقوله: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ».
وفي آخر آية- من الآيات محل البحث- يضيف القرآن الكريم: «خَلَقَ اللَّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ». ليس في عمل اللَّه باطل أو عبث ... فإذا التشبيه بالعنكبوت وبيته الخاوي هو أمر محسوب بدقّة، وإذا ما إختار موجوداً صغيراً للتمثيل به فهو لبيان الحق، وإلّا فهو خالق أعظم المجرّات والمنظومات الشمسية وغيرها.