مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - ٢٦ سورة الشّعراء
دعوه بالشاعر المجنون، كما جاء في الآية (٣٦) من سورة الصافات:
«وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ».
فالقرآن يردهم هنا ببيان بليغ منطقي، بأنّ منهج النبي يختلف عن منهج الشعراء؛ فالشعراء يتحركون في عالم من الخيال، وهو يتحرك على أرض الواقع والواقعيات، لتنظيم العالم الإنساني.
والشعراء يبحثون عن العيش واللذة والغزل (كما هي الحال بالنسبة لشعراء ذلك العصر في الحجاز خاصة حيث يظهر ذلك من أشعارهم بوضوح).
ولذا فإنّ أتباعهم هم الضالون: «وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ».
ثم يضيف القرآن على الجملة آنفة الذكر معقّباً: «أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ».
فهم غارقون في أخيلتهم وتشبيهاتهم الشعرية، حتى أنّ القوافي تجرهم إلى هذا الإتجاه أو ذاك، ويهيمون معها في كل واد.
ومتى سخطوا على أحد هجوه هجواً مراً وأنزلوه في شعرهم إلى أسفل السافلين، وإن كان موجوداً سماوياً.
ثم إنّ الشعراء عادةً هم رجال خطابة وجماهير لا أبطال قتال، وكذلك أصحاب أقوال لا أعمال، لذلك فإنّ الآية التالية تضيف فتقول عنهم: «وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَايَفْعَلُونَ».
غير أنّ النبي الكريم صلى الله عليه و آله رجل عمل من قرنه إلى قدمه، وقد اعترف بعزمه الراسخ واستقامته العجيبة حتى أعداؤه، فأين الشاعر من النبي صلى الله عليه و آله.
ولما كان بين الشعراء اناس مخلصون هادفون وأهل أعمال لا أقوال، ودعاة نحو الحق والصدق «وإن كان مثل هؤلاء الشعراء قليلًا يومئذ». فالقرآن من أجل أن لا يضيع حق هؤلاء الشعراء المؤمنين المخلصين الصادقين، استثناهم عن بقية الشعراء، فقال عنهم: «إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ».
هؤلاء المستثنون من الشعراء لم يكن هدفهم الشعر فحسب، بل يهدفون في شعرهم أهدافاً الهية وإنسانية، ولا يغرقون في الأشعار فيغفلون عن ذكر اللَّه، بل كما يقول القرآن: «وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا».
وأشعارهم تذكر الناس باللَّه أيضاً ... وإذا ما ظُلموا كان شعرهم انتصاراً للحق «وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا».