مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٥ - ١٨ سورة الكهف
التّفسير
الحفاة الأطهار: من الدروس التي نستفيدها من قصة أصحاب الكهف أنّ مقياس قيمة البشر ليست بالمنصب الظاهري أو بالثروة، بل عندما يكون المسير في سبيل اللَّه يتساوى الوزير والراعي، والآيات التي نبحثها تؤكّد هذه الحقيقة المهمة وتعطي للرسول صلى الله عليه و آله هذا الأمر: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ».
ثم تستمر الآيات مؤكّدة خطابها للرسول صلى الله عليه و آله: «وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا» فلا تنظر إلى هؤلاء المستكبرين بدل المستضعفين من أجل بهارج الدنيا وزخارفها.
ثم من أجل التأكيد مجدداً، يقول تعالى: «وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا». «وَاتَّبَعَ هَوَيهُ» والمطيع لأهوائه النفسية، والمفرط في أفعاله دائماً «وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا» [١].
إنّ الموضوع أعلاه من الأهمية بمكان، بحيث إنّ القرآن يقول للرسول صلى الله عليه و آله- بصراحة- في الآية التي بعدها: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ».
ولكن اعلموا أنّ هؤلاء عباد الدنيا الذين يسخرون من الألبسة الخشنة التي يرتديها أمثال سلمان وأبي ذر خاصة، والذين يعيشون حياة مرفّهة باذخة ومليئة بالزينة، ستنتهي عاقبتهم إلى سوء وظلام وعذاب: «إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا».
نعم، إنّهم كانوا إذا عطشوا في هذه الدنيا كان الخدم يجلبون لهم أنواع المشروبات، ولكنّهم عندما يطلبون الماء في جهنم يؤتى إليهم بماء كالمهل: «وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ» [٢]. «بِئْسَ الشَّرَابُ». ثم «وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا» [٣].
وفي هذه الدنيا تتوفر لديهم أنواع المشروبات التي تحضر بين أيديهم بمجرد مناداة الساقي، وفي جهنم يوجد أيضاً ساقٍ وأشربة، أمّا ما هو نوع الشراب؟ إنّه ماء كالمعدن المذاب! حرارته كحرارة دموع اليتامى وآهات المستضعفين والفقراء الذين ظلمهم هؤلاء الأغنياء. نعم، إنّ كل ما هو موجود هناك (في الآخرة) هو تجسيد لما هو موجود هنا (في الدنيا).
وبما أنّ اسلوب القرآن اسلوب تربوي وتطبيقي، فإنّه بعدما بيّن أوصاف وجزاء عبيد
[١] «فرط»: تعني التجاوز عن الحد، وكل شيء يخرج عن حدّه ويتحول إلى إسراف يقال له (فُرط).
[٢] «مُهل»: على وزن «قفل» وهي تعني أي معدن مُذاب.
[٣] «مُرتفق»: من كلمة «رَفق ورفيق» بمعنى محل اجتماع الأصدقاء.