مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٣ - ٢٨ سورة القصص
عمل صالح يفتح لموسى أبواب الخير: نواجه هنا المقطع الخامس من هذه القصة، وهي قضية ورود موسى عليه السلام إلى مدينة مدين.
قيل: إنّ هذا الشاب الطاهر قطع الطريق في ثمانية أيام، حتى لقي ما لقي من النصب والتعب، وورمت قدماه من كثرة المشي.
وكان يقتات من نبات الأرض وأوراق الشجر دفعاً لجوعه.
وبدأت معالم «مدين» تلوح له من بعيد شيئاً فشيئاً، وأخذ قلبه يهدأ ويأنس لإقترابه من المدينة. يقول القرآن في هذا الصدد: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ» [١].
فحركه هذا المشهد ... حفنة من الشبان الغلاظ يملأون الماء ويسقون الأغنام، ولا يفسحون المجال لأحد حتى يفرغوا من أمرهم .. بينما هناك امرأتان تجلسان في زاوية بعيدة عنهم، وعليهم آثار العفة والشرف، جاء إليهما موسى عليه السلام ليسألهما عن سبب جلوسهما هناك و «قَالَ مَا خَطْبُكُمَا» [٢].
لم يرق لموسى عليه السلام أن يرى هذا الظلم، فلم يتحمل ذلك كلّه، فهو المدافع عن المحرومين ومن أجلهم خرج من وطنه.
فقالت البنتان: إنّهما تنتظران تفرق الناس وأن يسقي هؤلاء الرعاة أغنامهم: «قَالَتَا لَانَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرّعَاءُ» [٣].
ومن أجل أن لا يسأل موسى: أليس لكما أب؟ ولماذا رضي بإرسال بناته للسقي مكانه، أضافتا مكملتين كلامهما: «وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ».
فتأثر موسى عليه السلام من سماعه حديثهما بشدّة، فتقدم وأخذ الدلو وألقاها في البئر .. يقال: إنّ هذه الدلو كان يجتمع عليها عدّة نفر ليخرجوها بعد امتلائها من الماء، إلّاأنّ موسى عليه السلام استخرجها بقوته وشكيمته وهمّته بنفسه دون أن يعينه أحد: «فَسَقَى لَهُمَا» أغنامهما.
ولكن موسى عليه السلام بالرغم من تعب السير في الطريق والجوع ملأ الدلو وسحبها بنفسه وسقى أغنام المرأتان جميعها .. «ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظّلّ فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».
[١] «تذودان»: مشتقة من «ذود» ومعناها المنع، فهما إذاً كانتا تذودان أغنامهما لئلا تختلط بالأغنام الاخرى.
[٢] ما خطبكما: أي ما شأنكما وما شغلكما هنا؟!
[٣] «يصدر»: مأخوذ من مادة «صدر» ومعناه الخروج من الماء؛ و «الرعاء»: جمع راعٍ، وهو سائس الغنم.