مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٤ - ٢٩ سورة العنكبوت
الذين يرغبون في لقاء اللَّه السعي بما اوتوا من قدرة وقابلية من أجل ذلك فإنّ نتيجة كل ذلك السعي والجهاد وتحمل الشدائد ترجع ثمارها للعامل نفسه: «وَمَن جهَدَ فَإِنَّمَا يُجهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ». إنّ خطة الامتحان الإلهي هي الجهاد، جهاد النفس وهواها، وجهاد الأعداء الألداء، لحفظ الإيمان والتقوى والطهارة، ونفع ذلك يعود للإنسان ...
و آخر آية- محل البحث- توضيح لما تقدم ذكره في الآية السابقة بشكل مبهم تحت عنوان الجهاد، فهنا يكشف القرآن حقيقة الجهاد فيقول: «وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيَاتِهِمْ».
إذن أوّل فائدة كبيرة لهذا الجهاد الكبير (وهو الإيمان والعمل الصالح) هي تكفير الذنوب وسترها على الإنسان، كما أنّ الثواب سيكون من نصيبهم، كما يقول القرآن في نهاية هذه الآية أيضاً: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ».
«نكفّر»: مشتقة من مادة «تكفير» ومعناها في الأصل التغطية والستر، والمقصود بتغطية الذنوب هنا عفو اللَّه وصفحه.
٢٩/ ٩- ٤ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَ مَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)
سبب النّزول
وردت روايات مختلفة في شأن نزول الآية الآنفة الذكر، ومضمون الجميع واحد وهي أنّ بعض الرجال الذين كانوا في مكة وأسلموا [١]، حين سمعت امهاتهم بذلك صممن على أن لا يتناولن طعاماً ولا يشربن ماءً حتى يرجع أبناؤهن عن الإسلام، وبالرغم من أنّ أية واحدة من هؤلاء الامهات لم تف بقولها، ورجعت عن إضرابها عن الطعام، إلّاأنّ الآية المتقدمة نزلت لتوضح للجميع اسلوب المعاملة بين الأبناء والآباء والامهات، في مجال الكفر والإيمان.
[١] ورد في بعض الروايات اسم (سعد بن أبي وقاص) وفي بعضها اسم (عياش بن أبي ربيعة المخزومي).