مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣١ - ١٨ سورة الكهف
أمّا المؤمنون الحقيقيون الذين عرفوا حقيقة الأمر واعتبروه دليلًا حيّاً لإثبات المعاد بعد الموت، فقد جهدوا على أن لا تنسى القصة أبداً لذلك اقترحوا أن يتّخذوا قرب مكانهم مسجداً، وبقرينة وجود المسجد فإنّ الناس سوف لن ينسوهم أبداً، بالإضافة إلى ما يتبرّك به الناس من آثارهم: «قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا».
الآية التي بعدها تشير إلى بعض الإختلافات الموجودة بين الناس حول أصحاب الكهف، فمثلًا تتحدّث الآية عن اختلافهم في عددهم فتقول: «سَيَقُولُونَ ثَلثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ». وبعضهم «وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ». وذلك منهم «رَجْمًا بِالْغَيْبِ».
وبعضهم «وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ». أمّا الحقيقة فهي: «قُلْ رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم».
ولذلك «مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ».
إنّ عدد أصحاب الكهف الحقيقي هو سبعة، حيث إنّ القرآن بعد ذكر الأقوال الباطلة، أبان في الأخير العدد الحقيقي لهم.
إنّ الآية تنتهي بنصيحة تحثّ على عدم الجدال حولهم إلّاالجدل القائم على أساس المنطق والدليل: «فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظهِرًا». بمعنى قل لهم قولًا منطقيّاً بحيث تتوضّح رجحان منطقك.
إنّ مفهوم الكلام هو: عليك أن تتحدث معهم بالإعتماد على الوحي الإلهي، لأنّ أقوى الأدلة هو ما يصدر عن الوحي دون غيره: «وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا».
الآية التي بعدها تعطي توجيهاً عاماً لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنّى فَاعِلٌ ذلِكَ غَدًا». «إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ». يعني يجب أن تقول (إن شاء اللَّه) لكل ما يخصّ أخبار المستقبل وأحداثه ولكل تصميم تتخذه، لأنّك أوّلًا غير مستقل في اتّخاذ القرارات، وإذا لم يشأ اللَّه فإنّ كائناً من كان لا يستطيع القيام بأيّ عمل.
ثانياً: لا يصح للإنسان- من الوجهة المنطقية- أن يقطع في أخباره المستقبلية ومواقفه وتصميماته، لأنّ قدرته محدودة مع احتمال ظهور الموانع المختلفة، لذلك الأفضل له ذكر جملة (إن شاء اللَّه) مع كل تصميم لفعل شيء.
وبعد ذلك يقول القرآن: «وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ». وهذه إشارة إلى أنّ الإنسان إذا نسي قول (إن شاء اللَّه) وهو يتحدث عن أمر مستقبلي، فعليه أن يقولها فور تذكّره، حيث يعوّض بذلك عما مضى منه.