مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٢ - ٢٦ سورة الشّعراء
وبعد بيان أولى مراحل الربوبية، وهي الهداية بعد الخلق، يذكر إبراهيم الخليل عليه السلام النعم المادية فيقول: «وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ».
ولست مشمولًا بنعمة في حال الصحة فقط، بل في كل حال، «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». ومع أنّ المرض أيضاً قد يكون من اللَّه، إلّاأنّ إبراهيم نسبه إلى نفسه رعاية للأدب في الكلام ...
ثم يتجاوز مرحلة الحياة الدنيا إلى مرحلة أوسع منها ... إلى الحياة الدائمة في الدار الآخرة، فيقول: «وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ».
وحين أرِدُ عرصات يوم القيامة اعلقّ حبل رجائي على كرمه: «وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيَتِى يَوْمَ الدّينِ».
وممّا لا شك فيه أنّ الأنبياء معصومون من الذنب، وليس عليهم وزر كي يغفر لهم ... إلّاأنّه- كما قلنا سابقاً- قد تعدّ حسنات الأبرار سيئات المقربين أحياناً، وقد يستغفرون أحياناً من عمل صالح لأنّهم تركوا خيراً منه ... فيقال عندئذ في حق أحدهم: ترك الأولى.
فإبراهيم عليه السلام لا يعوّل على أعماله الصالحة، فهي لا شيء بإزاء كرم اللَّه، ولا تقاس بنعم اللَّه المتواترة، بل يعوّل على لطف اللَّه فحسب، وهذه هي آخر مرحلة من مراحل الإنقطاع إلى اللَّه ...
٢٦/ ٨٧- ٨٣ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَ اجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)
دعاء إبراهيم عليه السلام: من هنا تبدأ أدعية إبراهيم الخليل وسؤالاته من اللَّه، فكأنّه بعد أن دعا قومه الضالين نحو اللَّه، يتجه بوجهه نحو اللَّه ويعرض عنهم، فأوّل ما يطلبه إبراهيم من ساحته المقدسة هو «رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ».
إنّ إبراهيم عليه السلام يطلب من اللَّه قبل كل شيء المعرفة العميقة الصحيحة المقرونة بالحاكمية، لأنّ أي منهج لا يتحقق دون هذا الأساس.