مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٣ - ١٨ سورة الكهف
لَقَدْ جِئْتَ شَيًا إِمْرًا».
وفي هذه الأثناء نظر الرجل العالم إلى موسى عليه السلام نظرة خاصة وخاطبه: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا».
أمّا موسى الذي ندم على استعجاله، بسبب أهمية الحادثة، فقد تذكّر عهده الذي قطعه لهذا العالم الأستاذ، لذا فقد التفت إليه قائلًا: «قَالَ لَاتُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا». يعني لقد أخطأت ونسيت الوعد فلا تؤاخذني بهذا الإشتباه.
«ترهقني»: مشتقة من «إرهاق» وتعني تغطية شيء ما بالقهر والغلبة، وتأتي في بعض الأحيان بمعنى التكليف، وفي الآية- أعلاه- يكون معناها: لا تصعّب الامور عليّ، ولا تقطع فيضك عنّي بسبب هذا العمل.
لقد انتهت سفرتهم البحرية وترجّلوا من السفينة: «فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلمًا فَقَتَلَهُ»، وقد تمّ ذلك بدون أي مقدمات.
وهنا ثار موسى عليه السلام مرّة اخرى حيث لم يستطع السكوت على قتل طفلٍ بريء بدون أي سبب، وظهرت آثار الغضب على وجهه وملأ الحزن وعدم الرضا عينيه ونسي وعده مرّةً اخرى، فقام للإعتراض، وكان اعتراضه هذه المرّة أشد من اعتراضه في المرّة الاولى، لأنّ الحادثة هذه المرّة كانت موحشة أكثر من الاولى: «قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ». أي إنّك قتلت انساناً بريئاً من دون أن يرتكب جريمة قتل، «لَّقَدْ جِئْتَ شَيًا نُّكْرًا».
ومرّة اخرى كرّر العالم الكبير جملته السابقة التي إتّسمت ببرود خاص، حيث قال لموسى عليه السلام: «قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا».
تذكّر موسى تعهده فانتبه إلى ذلك وهو خجل، حيث أخلّ بالعهد مرتين- ولو بسبب النسيان- وبدأ تدريجياً يشعر بصدق عبارة الأستاذ في أنّ موسى لا يستطيع تحمل أعماله، لذا فلا يطيق رفقته كما قال له عندما عرض عليه موسى الرفقة، لذا فقد بادر إلى الاعتذار وقال: إذا اعترضت عليك مرّة اخرى فلا تصاحبني وأنت في حلّ منّي: «قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا».
صيغة العذر هنا تدل على انصاف موسى عليه السلام ورؤيته البعيدة للُامور، وتبيّن أنّه عليه السلام كان