مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٨ - ١٧ سورة الإسراء
يعرّف بشطر أو بصفة من صفات ذلك الشخص أو المكان. بعد ذلك، هل من العجيب أن تكون للخالق أسماء متعددة تتناسب مع افعاله وكمالاته وهو المطلق في وجوده وفي صفاته والمنبع لكل صفات الكمال وجميع النعم، وهو وحده عزّ وجلّ الذي يدير دفة هذا العالم والوجود؟
ففي نهاية الآية التي نبحثها نرى المشركين يتحدّثون عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ويقولون:
إنّه يؤذينا بصوته المرتفع في صلاته وعبادته، فما هذه العبادة؟ فجاءت التعليمات لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله عبر قوله تعالى: «وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا».
إنّ الآية أعلاه تقول: لا تقرأ بصوت مرتفع بحيث يشبه الصراخ، ولا أقل من الحد الطبيعي بحيث تكون حركة شفاه وحسب ولا صوت فيها.
هذا الحكم الإسلامي في الدعوة إلى الإعتدال بين الجهر والإخفات يعطينا فهماً وإدراكاً من جهتين:
الاولى: لا تؤدّوا العبادات بشكل تكون فيه ذريعة بيد الأعداء، فيقومون بالاستهزاء والتحجج ضدكم، إذ الأفضل أن تكون مقرونه بالوقار والهدوء والأدب.
الثانية: يجب أن يكون هذ التوجيه مبدأ لنا في جميع أعمالنا وبرامجنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتكون جميع هذه الامور بعيدة عن الإفراط والتفريط، إذ الأساس هو: «وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا».
أخيراً نصل إلى الآية الأخيرة من سورة الإسراء، هذه الآية تنهي السورة المباركة بحمد اللَّه، كما افتتحت بتسبيحه وتنزيه ذاته عزّ وجل. إنّ هذه الآية هي خلاصة أخيرة لكل البحوث التوحيدية التي وردت في السورة، وهي ثمرة لمفاهيمها جميعاً، إذ هي تخاطب الرسول صلى الله عليه و آله بالقول: «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِىٌّ مِّنَ الذُّلّ».
ومثل هذا الرب في مثل هذه الصفات، هو أفضل من كل ما تفكّر به: «وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا».
روى العلّامة الطبرسي رحمه الله في تفسير مجمع البيان: إنّ في هذه الآية ردّاً على اليهود والنصارى، حين قالوا اتّخذ اللَّه الولد، وعلى مشركي العرب حيث قالوا: لبيك لا شريك لك، إلّا شريكاً هو لك. وعلى الصابئين والمجوس حين قالوا: لولا أولياء اللَّه لذل اللَّه.
«نهاية تفسير سورة الإسراء»