مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٢
آيات عظمته- مرّةً اخرى: تعقيباً على الأبحاث السابقة حول آيات اللَّه في الآفاق وفي الأنفس، تتحدث هذه الآيات- محل البحث- حول قسم آخر من هذه الآيات العظيمة. فتتحدث في البداية عن ظاهرة «النوم» على أنّها ظاهرة مهمة من ظواهر الخلق ومثل بارز من نظام الحكيم الخالق، فتقول: «وَمِن ءَايتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ».
وتختتم الآية بإثارة العبرة بالقول: «إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيتٍ لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ».
هذه الموهبة العظيمة تؤدّي إلى أن يحصل جسم الإنسان وروحه على الراحة اللازمة، فيرتفع التعب بطرو النوم الذي بمثابة وقفة لعمل البدن، ونوع من التعطيل له.
ومن المسلّم به أنّه لولا النوم لتصدّعت روح الإنسان وذبل جسمه وانهار بسرعة، ولعجل عليه العجز والشيخوخة.
و الآية التي تلتها، والتي تبيّن خامس آية من آيات عظمة اللَّه، تتجه أيضاً إلى «الآيات في الآفاق» وتتحدث عن البرق والرعد والغيث وحياة الأرض بعد موتها، فتقول: «وَمِن ءَايتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا».
«الخوف»: مما يخطر على البال من احتمال نزول الصاعقة مع البرق؛ و «الطمع»: من جهة نزول الغيث الذي ينزل بعد البرق والرعد على هيئة قطر أو مزنة.
وعلى هذا فإنّ البرق السماوي مقدمة لنزول الغيث.
ثم يضيف القرآن معقباً: «وَيُنَزّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْىِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا».
ويؤكّد القرآن في نهاية هذه الآية مضيفاً: «إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ويفهمون أنّ وراء هذه الخطة المدروسة يداً قادرة تقودها وتهديها، ولا يمكن أن تكون المسألة وليدة الصدفة والضرورة العمياء الصّماء أبداً.
وفي آخر آية من الآيات محل البحث، يقع الكلام عن آية اخرى من الآيات الآفاقية، وذلك عن تدبير نظام السماء والأرض وبقائهما ودوامهما، إذ تقول: «وَمِن ءَايتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ». أي إنّ خلق السماوات- المشار إليه في الآيات السابقة- ليس آية وحدة فحسب، بل بقاؤها ودوام نظامها أيضاً آية اخرى، فهذه الأجرام العظيمة في دورانها المنظّم حول نفسها تحتاج إلى امور كثيرة، وأهمّها المحاسبة المعقدة للقوة الجاذبة والدافعة.
وفي نهاية الآية وبالاستفادة من عامل التوحيد لإثبات المعاد، ينقل القرآن البحث إلى هذه المسألة فيقول: «ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ».