مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - ٢٠ سورة طه
وبالرغم من أنّ قصة آدم وإبليس قد وردت مراراً في القرآن، إلّاأنّها تمتزج في كل مورد بملاحظات ومسائل جديدة، وهنا تتحدث أوّلًا عن عهد اللَّه إلى آدم فتقول: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا». والمراد من العهد المذكور، أمر اللَّه بعدم الإقتراب من الشجرة الممنوعة.
فلا شك أنّ آدم لم يرتكب معصية، بل بدر منه ترك الأولى. أو بتعبير آخر، فإنّ مرحلة وجود آدم في الجنّة لم تكن مرحلة تكليف، بل كانت مرحلة تجريبية للإستعداد للحياة في هذه الدنيا وتقبّل المسؤولية.
ثم أشارت إلى جانب آخر من هذه القصة، فقالت: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِكَةِ اسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إبْلِيسَ أَبَى». ومن هنا يتّضح مقام آدم العظيم، آدم الذي سجدت له الملائكة، كما أنّ عداوة إبليس تجلّت له ضمناً من أوّل الأمر إذ لم يخضع لآدم ولم يعظّمه.
لا شك أنّ السجدة لا تعني السجدة الخاصة بعبادة اللَّه، ولا أحد أو موجود يستحق أن يكون معبوداً من دون اللَّه سبحانه، وبناءً على هذا فإنّ هذه السجدة كانت للَّه، غاية ما هناك أنّها كانت من أجل خلق هذا الموجود العظيم. فإنّ اللَّه سبحانه تعالى أنذر آدم بقوله: «فَقُلْنَا يَا ءَادَمُ إِنَّ هذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى».
من الواضح أنّ الجنة هنا لا يراد منها جنّة الخلود في العالم الآخر، والتي هي نقطة تكامل لا يمكن الخروج منها أو التراجع عن نعيمها، بل كانت بستاناً فيه كل شيء مما في بساتين هذه الدنيا، ولم يكن فيها نصب ولا غصّة بلطف اللَّه.
ثم يبيّن اللَّه لآدم راحة الجنة وهدوءها، وألم ومشقة الخروج منها، فيقول: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لَاتَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى».
فقد اشير في هاتين الآيتين إلى أربع إحتياجات أصلية وابتدائية للإنسان، أي: الحاجة إلى الغذاء، والماء، واللباس- للحماية من حرارة الشمس- والمسكن، لكن ومع كل ذلك، فإنّ الشيطان قد ربط رباط العداوة حول آدم، ولهذا لم يهدأ له بال: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطنُ قَالَ يَا ءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّايَبْلَى».
«الوسوسة»: في الأصل تعني الصوت المنخفض جدّاً، ثم قيلت لخطور الأفكار السافلة والخواطر السيئة سواء كانت تنبع من داخل الإنسان، أو من خارجه.
إنّ الشيطان تتبّع رغبة آدم وأنّها في أيّ شيء، فوجد أنّ رغبته في الحياة الخالدة