مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - ١٨ سورة الكهف
القصة المفصلة لأصحاب الكهف: بعد أن ذكرت الآيات بشكل مختصر قصة أصحاب الكهف، بدأت الآن مرحلة الشرح المفصل لها ضمن (١٤) آية وكان المنطلق في ذلك قوله تعالى: «نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقّ». كلام خال من أيّ شكل من أشكال الخرافة والتزوير. «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبّهِمْ وَزِدْنهُمْ هُدًى».
وتشير الآيات القرآنية- وما هو ثابت في التاريخ- إلى أنّ أصحاب الكهف كانوا يعيشون في بيئة فاسدة وزمان شاعت فيه عبادة الأصنام والكفر، وكانت هناك حكومة ظالمة تحمي مظاهر الشرك والكفر والإنحراف.
مجموعة أهل الكهف أحسّوا بالفساد وقرروا القيام ضدّ هذا المجتمع، وفي حال عدم تمكنهم من المواجهة والتغيير فإنّهم سيهجرون هذا المجتمع والمحيط الفاسد.
لذا يقول القرآن بعد البحث السابق: «وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلهًا».
فإذا عبدنا غيره: «لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا».
«شطط»: على وزن (وسط) تعني الخروج عن الحد والإفراط في الإبتعاد لذا فإنّ (شطط) تقال للكلام البعيد عن الحق، ويقال لحواشي وضفاف الأنهار الكبيرة (شط) لكونها بعيدة عن الماء، وكونها ذات جدران مرتفعة.
إنّ هؤلاء الفتية المؤمنين ذكروا دليلًا واضحاً لإثبات التوحيد ونفي الآلهة، وهو قولهم:
إنّنا نرى وبوضوح أنّ لهذه السماوات والأرض خالقاً واحداً، وأنّ نظام الخلق دليل على وجوده، وما نحن إلّاجزء من هذا الوجود، لذا فإنّ ربّنا هو نفسه ربّ السماوات والأرض.
ثم ذكروا دليلًا آخر وهو: «هؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً».
فهل يمكن الإعتقاد بشيء بدون دليل وبرهان؟: «لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطنٍ بَيّنٍ».
وهل يمكن أن يكون الظن أو التقليد الأعمى دليلًا على مثل هذا الإعتقاد؟ ما هذا الظلم الفاحش والإنحراف الكبير: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا».
وهذا الإفتراء هو ظلم للنفس، لأنّ الإنسان يستسلم حينئذ لأسباب السقوط والشقاء، وهو أيضاً ظلم بحق المجتمع الذي تسري فيه هذه الانحرافات، وأخيراً هو ظلم للَّهوتعرّض لمقامه العظيم سبحانه وتعالى.
هؤلاء الفتية الموحدون قاموا بما يستطيعون لإزالة صدأ الشرك عن قلوب الناس،