مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - ١٨ سورة الكهف
أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما: سلاهم عن محمّد وصِفا لهم صفته، وخبّراهم بقوله فإنّهم أهل الكتاب الأوّل وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن النبي صلى الله عليه و آله وقالا لهم ما قالت قريش. فقال لهما أحبار اليهود: إسألوه عن ثلاث فإن أخبركم بهنّ فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فرأوا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان من أمرهم؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هو؟
وفي رواية اخرى قالوا: فإن أخبركم عن اثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبي.
فانصرفا إلى مكة فقالا: يا معشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمّد وقصّا عليهم القصّة. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه و آله فسألوه، فقال صلى الله عليه و آله: «اخبركم بما سألتم عنه غداً» ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث صلى الله عليه و آله خمس عشرة ليلة لا يحدث اللَّه إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل حتى أرجف أهل مكة وتكلّموا في ذلك. فشقّ على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ما يتكلم به أهل مكة عليه، ثم جاءه جبرائيل عليه السلام عن اللَّه سبحانه بسورة الكهف، وفيها ما سألوه عنه عن أمر الفتية والرجل الطوّاف، وأنزل عليه: «وَيَسَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ» الآية.
التّفسير
بداية قصة أصحاب الكهف: في الآيات السابقة كانت هناك صورة للحياة الدنيا، وكيفية اختبار الناس فيها، ومسير حياتهم عليها، ولأنّ القرآن غالباً ما يقوم بضرب الأمثلة للقضايا الحساسة، أو أنّه يذكر نماذج من التاريخ لتجسيد الوعي بالقضية، لذا قام في هذه السورة بتوضيح قصة أصحاب الكهف، وعبّرت عنهم الآيات بأنّهم (أنموذج) أو (أسوة).
إنّهم مجموعة من الفتية الأذكياء المؤمنين، الذين كانوا يعيشون في ظل حياة مترفة بالزينة وأنواع النعم، إلّاأنّهم انسلخوا من كل ذلك لأجل حفظ عقيدتهم وللصراع ضدّ الطاغوت- طاغوت زمانهم- وذهبوا إلى غار خال من جميع أشكال الزينة والنعم، وقد أثبتوا بهذا المسلك أمر استقامتهم في سبيل الإيمان والثبات عليه.
في البداية يقول تعالى: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِن ءَايَاتِنَا عَجَبًا».
إنّ لنا آيات أكثر عجباً في السماوات والأرض، وإنّ كل واحد منها نموذج لعظمة الخالق جلّ وعلا، وفي حياتكم- أيضاً- أسرار عجبية تعتبر كل واحدة منها علامة على صدق دعوتك، وفي كتابك السماوي الكبير آيات عجيبة كثيرة، وبالطبع فإنّ قصة أصحاب الكهف ليست بأعجب منها.