مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧ - ١٦ سورة النحل
٢- «وَهَدَيهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»، وحفظه من كل انحراف، لأنّ الهداية لا تأتي لأحد عبثاً، بل لابدّ من توفّر الإستعداد والأهلية لذلك.
٣- «وَءَاتَيْنهُ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً». «الحسنة»: في معناها العام كل خير وإحسان، فتشمل منح مقام النبوة، مروراً بالنعم المادية حتى نعمة الأولاد وما شابهها.
٤- «وَأَنَّهُ فِى الْأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ». ومع أنّ إبراهيم كان على رأس الصالحين في الدنيا، فإنّه سيكون منهم في الآخرة كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم، وهذه دلالة على عظمة مقام الصالحين بأن يحسب إبراهيم عليه السلام على ما له من مقام سام كأحدهم في دار الآخرة، ولِم لا يكون ذلك وقد طلب إبراهيم عليه السلام ذلك من ربّه حين قال: «رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ».
٥- وختمت عطايا اللَّه عزّ وجل لإبراهيم عليه السلام لما ظهر منه من صفات متكاملة، بأن جعل دينه عامّاً وشاملًا لما ما سيأتي بعده من أزمان- وخصوصاً للمسلمين- ولم يجعل دينه مختصاً بعصر أهل زمانه، فقال اللَّه عزّ وجل: «ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا» [١].
ويأتي التأكيد مرّة اخرى: «وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
وبملاحظة الآيات السابقة يبدو لنا هذا السؤال: إن كان دين الإسلام هو نفس دين إبراهيم وأنّ المسلمين يتّبعون سنن إبراهيم عليه السلام في كثير من المسائل ومنها إحترام يوم الجمعة، فلماذا اتّخذ اليهود يوم السبت عيداً لهم بدلًا من الجمعة ويعطلون فيه أعمالهم؟
إنّ آخر آية من الآيات مورد البحث تجيب على السؤال المذكور حين تقول: «إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ». أي: إنّ السبت وما حرّم في السبت كان عقوبة لليهود، وقد اختلفوا فيه أيضاً، فمنهم مَن قبله ومنهم مَن أهمله.
وتقول بعض الروايات: أنّ موسى عليه السلام دعا قومه- بني اسرائيل- لاحترام يوم الجمعة وتعطيل أعمالهم فيه، وهو دين إبراهيم عليه السلام إلّاإنّهم تعللوا، واختاروا يوم السبت، فجعله اللَّه عطلة لهم ولكن بضيق وشدّة، ولهذا لا ينبغي الإعتماد على تعطيل يوم السبت، لأنّه إنّما كان استثنائياً وذا طابع جزائي، وأفضل دليل على هذا الأمر أنّ اليهود أنفسهم اختلفوا في يومهم
[١] «الحنيف»: بمعنى الذي يترك الإنحراف ويتّجه إلى الإستقامة والصلاح. وبعبارة اخرى: يغضّ نظره عن الأديان والأوضاع المنحرفة ويتوجّه نحو صراط اللَّه المستقيم، الدين الموافق للفطرة، ولهذا يسمى الصراط المستقيم، فالتعبير بالحنيف يحمل بين طيّاته إشارة خفيّة إلى أنّ التوحيد هو دين الفطرة.