مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - ٢٤ سورة النّور
سبب النّزول
في الكافي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهن، فنظر إليها وهي مقبلة، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان، فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على صدره وثوبه، فقال: واللَّه لآتين رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولأخبرنّه». قال: «فأتاه فلما رآه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال له: ما هذا؟ فأخبره، فهبط جبرئيل عليه السلام بهذه الآية: «قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ»».
التّفسير
مكافحة السفور وخائنة الأعين: قلنا في البداية: إنّ هذه السورة اختصت بالعفة والطهارة وتطهير الناس من جميع الانحرافات الجنسية، ولا يخفى على أحد إرتباط هذا البحث بالبحوث الخاصة بالقذف. تقول الآية أوّلًا: «قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ». «يغضوا»: مشتقة من «غضّ» من باب «ردّ» وتعني في الأصل التنقيص، لهذا لم تأمر الآية أن يغمض المؤمنون عيونهم، بل أمرت أن يغضّوا من نظرهم.
إنّ الإسلام نهى عن هذا العمل المندفع مع الأهواء النفسية والشهوات، لأنّ «ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ». كما نصّت عليه الآية- موضع البحث- في ختامها.
ثم تحذر الآية اولئك الذين ينظرون بشهوة إلى غير محارمهم، ويبررون عملهم هذا بأنّه غير متعمّد، فتقول: «إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ».
وتناولت الآية التالية شرح واجبات النساء في هذا المجال، فأشارت أوّلًا إلى الواجبات التي تشابه ما على الرجال، فتقول:
«وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ».
وبهذا حرم اللَّه النظر بريبة على النساء أيضاً مثلما حرّمه على الرجال، وفرض تغطية فروجهنّ عن أنظار الرجال والنساء مثلما جعل ذلك واجباً على الرجال.
ثم أشارت الآية إلى مسألة الحجاب في ثلاث جمل:
أ) «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا». فلا يحق للنساء الكشف عن زينتهنّ المخفية، وإن كانت لا تُظهر أجسامهنّ، أي لا يجوز لهنّ الكشف عن لباس يتزيّنّ به تحت اللباس