مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٤ - ١٨ سورة الكهف
لا تتخذوا الشياطين أولياء: لقد تحدّثت الآيات مرّات عدّة عن خلق آدم وسجود الملائكة له، وعدم انصياع إبليس. وقد قلنا: إنّ هذا التكرار يتضمن دروساً متعددة، وفي كل مقطع مكرّر هناك دروس وعبر جديدة.
ولأنّ الآيات السابقة ذكرت مثالًا واقعياً عن كيفية وقوف الأثرياء المستكبرين والمغرورين في مقابل الفقراء المستضعفين وتجسّد عاقبة عملهم، ولأنّ الغرور كان هو السبب الأصلي لإنحراف هؤلاء وانجرارهم إلى الكفر والطغيان، لذا فإنّ الآيات تعطف الكلام على قصة إبليس وكيف أبى السجود لآدم غروراً منه وعلوّاً، وكيف قاده هذا الغرور والعلو إلى الكفر والطغيان.
إضافة إلى ذلك، فإنّ هذه القصة توضّح أنّ الانحرافات تنبع من وساوس الشيطان.
في البداية تقول الآيات: تذكّروا ذلك اليوم الذي فيه: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِكَةِ اسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ».
هذا الاستثناء يمكن أن يوهمنا بأنّ إبليس كان من جنس الملائكة، في حين أنّ الملائكة معصومون، فكيف سلك إبليس- إذاً- طريق الطغيان والكفر إذا كان من جملتهم؟! لذلك فإنّ الآيات- منعاً لهذا الوهم- تقول مباشرة إنّه: «كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ».
إنّه إذاً لم يكن من الملائكة، لكنه- بسبب عبوديته وطاعته للخالق جلّ وعلا- قرّب وكان في صف الملائكة، إلّاأنّه- بسبب لحظة من الغرور والكبر- سقط وأصبح أكثر الموجودات نفرة وابتعاداً عن اللَّه تبارك وتعالى.
ثم تقول الآية: «أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِى».
والعجب أنّهم: «وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ». وهذا العدو، هو عدوّ صعب مصمّم على ضلالكم وأن يوردكم سوء العاقبة، وقد أظهر عدوانه منذ اليوم الأوّل لأبيكم آدم عليه السلام.
فاتّخاذ الشيطان وأولاده بدلًا من الخالق المتعال أمر قبيح: «بِئْسَ لِلظلِمِينَ بَدَلًا».
الآية التي بعدها هي دليل آخر على إبطال هذا التصور الخاطيء، إذ تقول: عن إبليس وابنائه أنّهم لم يكن لهم وجود حين خلق السماوات والأرض، بل لم يشهدوا حتى خلق أنفسهم: «مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ». حتى نطلب العون منهم في خلق العالم، أو نطلعهم على أسرار الخلق.