مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٣ - ٢٦ سورة الشّعراء
وبعد هذا الطلب يسأل من اللَّه إلحاقه بالصالحين، وهو إشارة إلى الجوانب العملية، أو كما يصطلح عليها ب «الحكمة العملية» في مقابل الطلب السابق وهو «الحكمة النظرية» ...
وبما أنّه ليس للحكمة حد معين، ولا لصلاح الإنسان حدّ، فهو يطلب ذلك ليبلغ المراتب العليا من العلم والعمل يوماً بعد يوم، حتى وهو في موقع النبوة، وأنّه من أولي العزم .. لا يكتفي بهذه العناوين.
وبعد هذين الطلبين يطلب موضوعاً مهماً آخر بهذه العبارة: «وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْأَخِرِينَ». أي: اجعلني بحال تذكرني الأجيال الآتية بخير.
فاستجاب اللَّه دعاء إبراهيم كما يقول سبحانه في الآية (٥٠) من سورة مريم: «وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا».
ثم ينظر إبراهيم إلى أفق أبعد من أفق الدنيا، ويتوجه إلى الدار الآخرة، فيدعو بدعاء رابع فيقول: «وَاجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ».
«جنة النعيم» التي تتماوج فيها النعم المعنوية والمادية، النعم التي لا زوال لها ولا اضمحلال ... النعم التي لا يمكن أن نتصورها.
إنّ التعبير بالإرث في شأن الجنة إمّا لأنّ معنى الإرث الحصول على الشيء دون مشقة وعناء، أو أنّ ذلك- طبقاً لما ورد في بعض الروايات- لأنّ كل إنسان له بيت في الجنة وآخر في النار، فإذا دخل النار ورث الآخرون بيته في الجنة.
وفي خامس أدعيته يتوجه نظره إلى عمّه الضالّ، وكما وعده أنّه سيستغفر له، فإنّه يقول في هذا الدعاء: «وَاغْفِرْ لِأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالّينَ».
وأخيراً فإنّ دعاءه السادس من ربّه في شأن يوم التغابن، يوم القيامة، بهذه الصورة: «وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ». «تخزني»:
مأخوذ من مادة «خزي» على زنة (حزب)، وكما يقول الراغب في مفرداته، معناه الذل والإنكسار الروحي الذي يظهر على وجه الإنسان من الحياء المفرط، أو من جهة الآخرين حين يحرجونه ويخجلونه.
وهذا التعبير من إبراهيم، بالإضافة إلى أنّه درس للآخرين، هو دليل على منتهى الإحساس بالمسؤولية والإعتماد على لطف اللَّه العظيم.