مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - ٢١ سورة الأنبياء
وأخيراً تشكّلت المحكمة، وكان زعماء القوم قد اجتمعوا هناك، ويقول بعض المفسرين: أنّ نمرود نفسه كان مشرفاً على هذه المحاكمة، وأوّل سؤال وجّهوه إلى إبراهيم عليه السلام هو أن: «قَالُوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هذَا بَالِهَتِنَا يَا إِبْرهِيمُ».
فأجابهم إبراهيم جواباً أفحمهم، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً «قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا فَسَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ».
إنّ من اسس علم معرفة الجرائم أن يكون المتّهم بادية عليه آثار الجريمة، والملاحظ هنا أنّ آثار الجريمة كانت باديةً على يد الصنم الكبير، [وفقاً للرواية المعروفة: إنّ إبراهيم جعل الفأس على رقبة الصنم الكبير].
لقد هزّت كلمات إبراهيم الوثنيين وأيقظت ضمائرهم النائمة الغافلة، وأنار فطرتهم التوحيدية من خلف حجب التعصب والجهل.
ورجعوا إلى فطرتهم ووجدانهم، كما يقول القرآن: «فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ». فقد ظلمتم أنفسكم ومجتمعكم الذي تنتمون إليه، وكذلك ساحة اللَّه واهب النعم المقدسة.
ولكن للأسف، فإنّ صدأ الجهل والتعصب والتقليد الأعمى كان أكبر من أن يُصقل ويُمحى تماماً بنداء بطل التوحيد.
ولم تستمر هذه اليقظة الروحية المقدسة، ورجع كل شيء إلى حالته الاولى، وكم هو لطيف تعبير القرآن حيث يقول: «ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ». ومن أجل أن يأتوا بعذر نيابة عن الآلهة البُكْم قالوا: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلَاءِ يَنطِقُونَ». وأرادوا بهذا العذر الواهي أن يخفوا ضعف وذلة الأصنام.
وهنا فُتح أمام إبراهيم الميدان والمجال للاستدلال المنطقي ليوجّه لهم أشدّ هجماته: «قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَايَنفَعُكُمْ شَيًا وَلَا يَضُرُّكُمْ».
ووسّع معلّم التوحيد دائرة الكلام، وإنهال بسياط التقريع على روحهم التي فقدت الإحساس، فقال: «أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ». إلّاأنّه لم يلحّ في توبيخهم وتقريعهم لئلّا يلجّوا في عنادهم.
ويستفاد من التواريخ أنّ جماعة آمنوا به، وهم وإن قلّوا عدداً، إلّاأنّهم كانوا من الأهمية بمكان، إذ هيّأوا الاستعداد النسبي لفئة اخرى.