مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٦ - ١٨ سورة الكهف
لعمله، وفي نفس الوقت لم يلتفت إلى ما هو فيه، فيكرّر العمل. الآيات الاخرى تذكر صفات ومعتقدات هذه المجموعة من الخاسرين، حيث تبدأ بتلك الصفات التي تكون أساساً في مصائبهم فتقول: «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَايَاتِ رَبّهِمْ».
إنّهم كفروا بالآيات التي تفتح الأبصار والمسامع، الآيات التي ترفع حجب الغرور وتجسّد الحقائق أمام الإنسان، وأخيراً فإنّها آيات النور والضياء التي تخرج الإنسان من ظلمات الأوهام والتصورات الخاطئة وترشده إلى عالم الحقائق.
ثم إنّهم بعد ذلك نسوا اللَّه وكفروا بالمعاد وبلقاء اللَّه «وَلِقَائِهِ».
يعني أنّ الإنسان في يوم القيامة يشاهد آثار الخالق أكثر وأفضل من أي زمان، لذا فإنّه ينظر إليه بوضوح، بعين القلب الواعي البصير.
نعم، فما لم يكن الإيمان بالمعاد إلى جانب الإيمان بالمبدأ، وما لم يحس الإنسان بأنّ هناك قوة تراقب أعماله فإنّ الإنسان سوف لا يعير أهمّية إلى أعماله وسوف لا يصلح نفسه.
ثم تضيف الآية أنّهم بسبب من كفرهم بالمبدأ والمعاد فإنّ أعمالهم قد حبطت وضاعت:
«فَحَبِطَتْ أَعْملُهُمْ». وغدت تماماً كالرماد في مقابل العاصفة الهوجاء.
ولأنّهم لا يملكون عملًا قيّماً ثميناً لذا: «فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَزْنًا».
لأنّ الوزن يخصّ الامور الموجودة، أمّا هؤلاء فلا يملكون شيئاً من الأعمال، ولذلك ليس لهم وزن ولا قيمة. روي في تفسير مجمع البيان أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: «إنّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة».
لماذا؟ لأنّ أعمال مثل هؤلاء وأفكارهم وشخصيتهم كانت في الحياة الدنيا عديمة الأهمية والفائدة.
وفي إطار بيان جزاء هؤلاء، تكشف الآية عن ثالث سبب في انحراف وخسران هؤلاء، وهو الاستهزاء بما أنزل اللَّه، فتقول: «ذلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايتِى وَرُسُلِى هُزُوًا».
وبذلك فإنّ هؤلاء انتهوا إلى إنكار الأصول الأساسية الثلاثة في الإعتقاد الديني (المبدأ، والمعاد، ورسالة الأنبياء) والأكثر من الإنكار أنّهم استهزؤوا بهذه الامور.
والآن بعد أن عرفنا علامات الكفار والأخسرين أعمالًا، وبعد أن انكشفت عاقبة أعمالهم، تتوجّه الآيات إلى المؤمنين فتبيّن عاقبتهم، وبمقايسة بين الاثنين نستطيع تشخيص