مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - ١٩ سورة مريم
الإيمان والمحبوبية: هذه الآيات الثلاث نهاية سورة مريم، والكلام فيها أيضاً عن المؤمنين، والظالمين الكافرين، وعن القرآن وبشاراته وإنذاراته، وهي- في الحقيقة- عصارة البحوث السابقة بملاحظات ونكات جديدة. تقول أوّلًا: «إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا».
إنّ للإيمان والعمل الصالح نوراً وضياء بسعة عالم الوجود، ويعمّ نور المحبة الحاصل منهما كل أرجاء عالم الخلقة، وإنّ الذات الإلهية المقدسة تحب أمثال هذا الفرد، فهم محبوبون عند كل أهل السماء، وتقذف هذه المحبة في قلوب أهل الأرض.
ثم تشير الآية التالية إلى القرآن الذي هو منبع ومصدر تنمية الإيمان والعمل الصالح، فتقول: «فَإِنَّمَا يَسَّرْنهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا».
«اللُدّ»:- بضم اللام وتشديد الدال- جمع «ألدّ» بمعنى العدو الشديد العداوة، وتطلق على المتعصب العنود في عداوته، ولا منطق له.
وتقول الآية الأخيرة كتهدئة لخاطر النبي صلى الله عليه و آله والمؤمنين، وتسلية لهم، خاصة مع ملاحظة أنّ هذه السورة نزلت في مكة، وكان المسلمون يومذاك تحت ضغط شديد جدّاً؛ وكذلك تقول بنبرة التهديد والتحذير لكل الأعداء اللجوجين العنودين: «وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا».
«الركز»: بمعنى الصوت الهادىء، ويقال للأشياء التي يخفونهاتحت الأرض: «ركاز»، أي إنّ هؤلاء الأقوام الظالمين، وأعداء الحق والحقيقة المتعصبين، قد تمّ تدميرهم وسحقهم إلى حدّ لا يسمع صوت خفي منهم.
لقد صدرت روايات عديدة عن النبي صلى الله عليه و آله في سبب نزول قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا». في كثير من كتب الحديث وتفسير السنة والشيعة، وهي تبيّن أنّ هذه الآية نزلت لأوّل مرّة في حق علي عليه السلام.
«نهاية تفسير سورة مريم»