مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٣ - ٢٧ سورة النّمل
تعالج هذه المسألة من جوانب شتى، فتجيب أوّلًا على السؤال الذي يثيره المشركون دائماً، وهو قولهم: متى تقوم القيامة؟ ومتى هذا الوعد؟ فتقول: «قُلْ لَّايَعْلَمُ مَن فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ».
لا شك أنّ علم الغيب- ومنه تاريخ وقوع القيامة- خاص باللَّه، إلّاأنّه لا منافاة في أن يجعل اللَّه بعض ذلك العلم عند من يشاء من عباده، كما نقرأ في الآيتين (٢٦ و ٢٧) من سورة الجن: «علِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ».
ثم يتكلم القرآن عن عدم علم المشركين بيوم القيامة وشكهم وجهلهم، فيقول: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الْأَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ».
«ادّارك»: في الأصل «تدارك» ومعناه التتابع أو لحوق الآخر بالأوّل، فمفهوم جملة «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الْأَخِرَةِ»: أنّهم لم يصلوا إلى شيء بالرغم مما بذلوه من تفكير، وجمعوا المعلومات في هذا الشأن، لذلك فإنّ القرآن يضيف مباشرة بعد هذه الجملة:
«بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ». لأنّ دلائل الآخرة ظاهرة في هذه الدنيا، فعودة الأرض الميتة إلى الحياة في فصل الربيع، وإزهار الأشجار وإثمارها مع أنّها كانت في فصل الشتاء جرداء ... ومشاهدة عظمة قدرة الخالق في مجموعة الخلق والوجود، كلها دلائل على إمكان الحياة بعد الموت، إلّاأنّهم كالعُمي الذين لا يبصرون كل شيء.
و الآية التالية توجز منطق منكري القيامة والبعث في جملة واحدة، فتقول: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا وَءَابَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ».
مع أنّهم كانوا أوّل الأمر تراباً وخلقوا من التراب، فما يمنع أن يعودوا إلى التراب، ثم يرجعون أحياءً بعد أن كانوا تراباً.
ثم يحكي القرآن عمّا يضيفه المشركون من قول: «لَقَدْ وُعِدْنَا هذَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ»، ولكن لم نجد أثراً لهذا الوعد ولن يوجد، «إِنْ هذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ»، فما هي سوى خرافات وخزعبلات القدماء.
فبناءً على هذا فإنّهم يبدأون من الاستبعاد ثم يجعلونه أساساً للإنكار المطلق.
ويستفاد- ضمناً من هذا التعبير- أنّهم أرادوا أن يسخروا من كلام النبي في شأن يوم القيامة، ويطعنوا عليه، فيقولوا: إنّ هذه الوعود الباطلة سبقت لأسلافنا، فلا جديد فيها يستحق بذل التفكير والمراجعة.