مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٧ - ٢٨ سورة القصص
يقول القرآن في هذا الصدد: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا».
أجل ... لا يعذب اللَّه قوماً حتى بعد إتمام الحجّة، فما لم يصدر ظلم يستوجب العذاب فإنّ اللَّه لا يعذبهم، وهو يراقب أعمالهم، «وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ».
والتعبير ب «مَا كُنَّا» أو «وَمَا كَانَ رَبُّكَ» دليل على أنّ سنة اللَّه الدائمة والأبدية التي كانت ولا زالت، هي أن لا يعذب أحداً إلّا بعد إتمام الحجة الكافية.
و آخر آية من هذا المقطع محل البحث تحمل الردّ الثاني على أصحاب الحجج الواهية، الذين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه و آله: «إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا» ويبعدنا العرب من ديارنا، وهو قوله تعالى: «وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى» ممّا عندكم من النعيم الفاني .. إذ إنّ نعم الدنيا تشوبها الأكدار والمشاكل المختلفة، وليس من نعمة مادية خالية من الضرر والخطر أبداً.
إضافة إلى ذلك فإنّ النعم التي عند اللَّه «الباقية» لا تقاس مع النعم الدنيوية الزائلة، فنعم اللَّه- إذن- خير وأبقى.
فبموازنة بسيطة يعرف كل إنسان عاقل أنّه لا ينبغي أن يضحي بنعم الآخرة من أجل نعم الدنيا، ولذلك تختتم الآية بالقول:
«أَفَلَا تَعْقِلُونَ».
٢٨/ ٦٤- ٦١ أَ فَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَ يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ رَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)
كان الحديث في الآيات المتقدمة عن الذين فضّلوا الكفر على الإيمان بسبب منافعهم الشخصية، ورجّحوا الشرك على التوحيد، وفي الآيات التي بين أيدينا يبيّن القرآن حال هذه الجماعة يوم القيامة قبال المؤمنين الصادقين. ففي بداية هذه الآيات يلقي القرآن سؤالًا يقارن فيه بين المؤمنين والكافرين، ويثير الوجدان ويجعله حكماً فيقول: «أَفَمَن وَعَدْنهُ