مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٢ - ٢٠ سورة طه
لقد حذف القرآن المجيد هنا بعض المطالب التي يمكن فهمها بمعونة الأبحاث الآتية، وتوجّه مباشرةً إلى محاورة موسى وهارون مع فرعون، والمبحث في الواقع هكذا:
لمّا أصبح موسى أمام فرعون وجهاً لوجه، أعاد تلك الجمل الدقيقة المؤثرة التي علّمه اللَّه إيّاها أثناء الأمر بالرسالة. فلما سمع فرعون هذا الكلام، كان أوّل ردّ فعله أن «قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يمُوسَى». والعجيب أنّ فرعون المغرور والمعجب بنفسه لم يكن مستعدّاً حتى أن يقول: من ربّي الذي تدّعيانه؟ بل قال: من ربّكما؟
فأجابه موسى مباشرةً بجواب جامع جدّاً، وقصير في الوقت نفسه، عن اللَّه: «قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى». ففي هذه العبارة الموجزة إشارة إلى أصلين أساسيين من الخلقة والوجود، وكل واحد منهما دليل وبرهان مستقل يوصل إلى معرفة اللَّه:
الأوّل: إنّ اللَّه سبحانه قد وهب لكل موجود ما يحتاجه.
والثاني: مسألة هداية وإرشاد الموجودات.
إنّ من الممكن أن يمتلك الإنسان أيّ شيء من أسباب الحياة، إلّاأنّه يجهل كيفية الاستفادة منها، والمهم أن يعرف طريقة استعمالها، وهذا هو الشيء الذي نراه في الموجودات المختلفة بوضوح، وكيف أنّ كلّاً منها يستغلّ طاقته بصورة دقيقة في إدامة حياته، كيف يبني بيتاً، وكيف يتكاثر، وكيف يربّي أولاده ويخفيهم ويبعدهم عن متناول الأعداء، أو يعلّمهم كيف يواجهون الأعداء.
والبشر- أيضاً- لديهم هذه الهداية التكوينية.
فإنّ الإنسان نتيجة لإمتلاكه العقل والإرادة، فإنّ له واجبات ومسؤوليات، وبعد ذلك مناهج تكاملية ليس للحيوانات مثلها، ولذلك فإنّه إضافة إلى الهداية التكوينية محتاج إلى الهداية التشريعية.
فلما سمع فرعون هذا الجواب الجامع الجميل، ألقى سؤالًا آخر «قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى».
أجابه موسى عليه السلام بقوله: «قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّى فِى كِتبٍ لَّايَضِلُّ رَبّى وَلَا يَنسَى».
إنّ موسى قد نبّه بصورة ضمنيّة على إحاطة علم اللَّه بكل شيء، لينتبه فرعون إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ أي شيء من عمله لا يخفى على اللَّه وإن كان بمقدار رأس الإبرة، وسوف ينال عقابه أو ثوابه.