مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢١ - ٢٠ سورة طه
طريق النجاة الوحيد: تعقيباً على البحث السابق في نجاة بني إسرائيل بصورة إعجازية من قبضة الفراعنة، خاطبت هذه الآيات الثلاث بني إسرائيل بصورة عامة، وفي كل عصر وزمان، وذكرتهم بالنعم الكبيرة التي منحها اللَّه إيّاهم، وأوضحت طريق نجاتهم.
فقالت أوّلًا: «يَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِن عَدُوّكُمْ».
ثم تشير إلى واحدة من النعم المعنوية المهمة، فتقول: «وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ». وهذه إشارة إلى حادثة ذهاب موسى عليه السلام مع جماعة من بني إسرائيل إلى مكان ميعادهم في الطور، ففي ذلك المكان أنزل اللَّه سبحانه ألواح التوراة على موسى وكلّمه، وشاهدوا جميعاً تجلّي اللَّه سبحانه.
وأخيراً أشارت إلى نعمة ماديّة مهمة من نعم اللَّه الخاصة ببني إسرائيل، فتقول: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى». ففي تلك الصحراء كنتم حيارى، ولم يكن عندكم شيء من الطعام المناسب، فأدرككم لطف اللَّه، ورزقكم من الطعام الطيّب اللذيذ ما كنتم بأمسّ الحاجة إليه.
و «المنّ» نوعاً من العسل الطبيعي كان موجوداً في الجبال المجاورة لتلك الصحراء؛ و «السلوى» نوع من الطيور المحللة اللحم شبيهاً بالحمام.
ثم تخاطبهم الآية التالية بعد ذكر هذه النعم الثلاث العظيمة، فتقول: «كُلُوا مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ».
الطغيان في النعمة هو أن يتخذ الإنسان هذه النعم وسيلة للذنب والجحود والكفران والتمرد والعصيان، بدل أن يستغلّها في طاعة اللَّه وسعادته، تماماً كما فعل بنو إسرائيل، ولذلك حذّرتهم الآية بعد ذلك فقالت: «فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى».
«هوى»: في الأصل بمعنى السقوط من المكان المرتفع، والذي تكون نتيجته الهلاك عادةً، إضافة إلى أنّه هنا إشارة إلى السقوط الرتبي والبعد عن قرب اللَّه، والطرد من رحمته.
ولما كان من الضروري أن يقترن التحذير والتهديد بالترغيب والبشارة دائماً، لتتساوى كفّتا الخوف والرجاء، حيث تشكّلان العامل الأساسي في تكامل الإنسان، ولتفتح أبواب التوبة والرجوع بوجه التائبين، فقد قالت الآية التالية: «وَإِنّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى».
«غفّار»: صيغة مبالغة، وتوحي أنّ اللَّه سبحانه لا يقبل هؤلاء التائبين ويشملهم برحمته مرّة واحدة فقط، بل سيعمّهم عفوه ومغفرته مرّات ومرّات.