مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٩ - ٢١ سورة الأنبياء
ثم تبيّن أوصاف الملائكة في ستّة أقسام تشكّل بمجموعها دليلًا واضحاً على نفي كونهم أولاداً:
١- «بَلْ عِبَادٌ».
٢- «مُّكْرَمُونَ».
فليس هؤلاء عباداً هاربين خضعوا للخدمة تحت ضغط المولى، ولذلك فإنّ اللَّه سبحانه قد أحبّهم، وأفاض عليهم من مواهبه نتيجة لإخلاصهم في العبودية.
٣- إنّ هؤلاء على درجة من الأدب والخضوع والطاعة للَّهبحيث «لَايَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ».
٤- وكذلك من ناحية العمل أيضاً فهم مطيعون «وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ».
فهل هذه صفات الأولاد، أم صفات العبيد؟
ثم أشارت إلى إحاطة علم اللَّه بهؤلاء فتقول: إنّ اللَّه تعالى يعلم أعمالهم الحاضرة والمستقبلية، وكذلك أعمالهم السالفة، وأيضاً يعلم ما في دنياهم وآخرتهم، وقبل وجودهم وبعده: «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ» ومن المسلّم أنّ الملائكة مطلعون على هذا الموضوع، وهو أنّ للَّهإحاطة علمية بهم، وهذا العرفان هو السبب في أنّهم لا يسبقونه بالقول، ولا يعصون أمره، ولهذا فإنّ هذه الجملة يمكن أن تكون بمثابة تعليل للآية السابقة.
٥- ولا شك أنّ هؤلاء الذين هم عباد اللَّه المكرمون المحترمون يشفعون للمحتاجين، لكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ هؤلاء «وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى».
ثم إنّ هذه الجملة تجيب ضمناً اولئك الذين يقولون: إنّنا نعبد الملائكة لتشفع لنا عند اللَّه، فيقول القرآن لهم: إنّ هؤلاء لا يقدرون على فعل شيء من تلقاء أنفسهم، وكل ما تريدونه يجب أن تطلبوه من اللَّه مباشرةً، وحتى إذن شفاعة الشافعين.
٦- ونتيجة لهذه المعرفة والوعي «وَهُم مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ».
«الخشية»: تعني الخوف المقترن بالتعظيم والإحترام؛ و «مشفق»: من مادة الإشفاق، بمعنى التوجه الممتزج بالخوف، لأنّها في الأصل مأخوذة من الشفق، وهو الضياء الممتزج بالظلمة. فبناءً على هذا، فإنّ خوف الملائكة ليس كخوف الإنسان من حادثة مرعبة مخيفة، وكذلك إشفاقهم فإنّه لا يشبه خوف الإنسان من موجود خطر، بل إنّ خوفهم وإشفاقهم ممزوجان بالإحترام، والعناية والتوجه، والمعرفة والإحساس بالمسؤولية.
من الواضح أنّ الملائكة مع هذه الصفات البارزة والممتازة، ومقام العبودية الخالصة لا