مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - ٢١ سورة الأنبياء
وتبيّن الآية التالية أحد الأدلة الواضحة على نفي آلهة وأرباب المشركين، فتقول: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحنَ اللَّهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ».
هذه الإدعاءات غير الصحيحة وهذه الأرباب المصنوعة والآلهة المظنونة ليست إلّا أوهاماً، وساحة كبرياء ذاته المقدسة لا تتلوّث بهذه النسب المغلوطة.
إنّ الدليل الوارد في الآية آنفة الذكر الذي يتحرك لإثبات التوحيد ونفي الآلهة، في الوقت الذي هو بسيط وواضح، فإنّه من البراهين الفلسفية الدقيقة في هذا الباب، ويذكره العلماء تحت عنوان (برهان التمانع). ويمكن إيضاح خلاصة هذا البرهان بما يلي:
إنّنا نرى نظاماً واحداً حاكماً في هذا العالم، إنّ إنسجام القوانين وأنظمة الخلقة هذه يحكي أنّها تنبع من عين واحدة، لأنّ البدايات إن كانت متعددة، والإرادات مختلفة، لم يكن يوجد هذا الإنسجام مطلقاً. لأنّ لكل واحدة قضاء، وكانت الاخرى تمحو أثر الاولى، وسيؤول العالم إلى الفساد عندئذ.
وبعد أن ثبت بالإستدلال الذي ورد في الآية توحيد مدبّر ومدير هذا العالم، فتقول الآية التالية: إنّه قد نظّم العالم بحكمة لا مجال فيها للإشكال والإنتقاص ولا أحد يعترض عليه في خلقه: «لَايُسَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسَلُونَ».
إنّ لدينا نوعين من الأسئلة:
الأوّل: السؤال التوضيحي، وهو أن يكون الإنسان يريد أن يعلم النقطة الأصلية والهدف الحقيقي من المسائل، ومثل هذا السؤال جائز حتى حول أفعال اللَّه.
أمّا النوع الثاني: فهو السؤال الإعتراضي، والذي يعني أنّ العمل الذي تمّ كان خطأً. من المسلم أنّ هذا النوع من السؤال لا معنى له حول أفعال اللَّه الحكيم، إلّاأنّ مجال هذا السؤال حول أفعال الآخرين واسع.
وتشتمل الآية التالية على دليلين آخرين في مجال نفي الشرك، فمضافاً إلى الدليل السابق يصبح مجموعها ثلاثة أدلة.
تقول الآية أوّلًا: «أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهنَكُمْ». وهو إشارة إلى أنّكم إذا صرفتم النظر عن الدليل السابق القائم على أنّ نظام عالم الوجود دليل على التوحيد، فإنّه لا يوجد أيّ دليل- على الأقل- على إثبات الشرك والوهية هذه الآلهة، فكيف يتقبّل إنسان عاقل مطلباً لا دليل عليه؟