مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - ٢٢ سورة الحج
الدعوة العامة للحج: تناولت الآية السابقة قضيّة المسجد الحرام وحجّاج بيت اللَّه، أمّا هذه الآيات فتستعرض بناء الكعبة على يد إبراهيم الخليل عليه السلام، ووجوب الحج وفلسفته، وبعض أحكام هذه العبادة الجليلة. إذ بدأت بقصة تجديد بناء الكعبة: «وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ». أي تذكّر كيف أعددنا لإبراهيم مكان الكعبة ليقوم ببنائها.
«بوّأ»: مشتقة من بواء، أي الأرض المسطّحة، ثم أطلقت على إعداد المكان مطلقاً.
وتقصد هذه الآية أنّ اللَّه هدى إبراهيم عليه السلام إلى مكان الكعبة بعد أن هدّمت بطوفان نوح وخفيت معالمها، إذ حدثت عاصفة فأزالت التراب وكشفت عن اسس البيت، أو بعث اللَّه سحابة ظلّلت مكان البيت، أو بأيّ اسلوب آخر كشف اللَّه لإبراهيم عليه السلام أسس الكعبة، فقام هو وإبنه إسماعيل عليهما السلام بتجديد بناء بيت اللَّه الحرام.
وتضيف الآية الكريمة أنّه عندما تمّ بناء البيت خوطب إبراهيم عليه السلام: «أَن لَّاتُشْرِكْ بِى شَيًا وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ».
فمهمّة إبراهيم عليه السلام كانت تطهير البيت وما حوله من أيّ نجس ظاهر أو باطن، ومن أيّ صنم أو مظهر للشرك، من أجل أن يوجّه عباد الرحمن قلوبهم وأبصارهم إليه تعالى وحده في هذا المكان الطاهر، وليقوموا بأهمّ العبادات في هذه البقعة المباركة، ألا وهو الطواف والصلاة في محيط إيمانيّ لا يخالطه شرك.
وبعد إعداد البيت للعبادة، أمر اللَّه تعالى إبراهيم عليه السلام: «وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَمِيقٍ».
«أذّن»: مشتقة من «الأذان» أي «الإعلان»؛ و «رجال»: جمع «راجل» أي «ماشي»؛ و «الضامر»: تعني الحيوان الضعيف؛ و «الفجّ»: في الأصل تعني المسافة بين جبلين، ثم أطلقت على الطرق الواسعة؛ و «العميق»: تعني هنا «البعيد».
في تفسير علي بن إبراهيم القمي: لمّا فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت أمره اللَّه أن يؤذن في الناس بالحج فقال: «يا ربّ وما يبلغ صوتي». فقال اللَّه: «أذن عليك الأذان وعلي البلاغ».
وارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت فارتفع المقام حتى كان أطول من الجبال فنادى وأدخل اصبعيه في اذنيه وأقبل بوجهه شرقاً وغرباً يقول: أيّها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربّكم، فأجابوه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها ومن أصلاب الرجال وأرحام النساء بالتلبية: لبيك