مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٦ - ١٩ سورة مريم
الموحدين وعباد اللَّه في العالم يفتخرون بوجوده. يقول القرآن الكريم: «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا».
إنّ هذه الموهبة العظيمة كانت نتيجة صبر إبراهيم عليه السلام واستقامته التي أظهرها في طريق محاربة الأصنام، واعتزال المنهج الباطل والإبتعاد عنه. وإضافة إلى ذلك: «وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَحْمَتِنَا». تلك الرحمة الخاصة بالمخلصين، والرجال المجاهدين في سبيل اللَّه. وأخيراً: «وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا».
إنّ هذا في الحقيقة إجابة لطلب ودعاء إبراهيم الذي جاء في الآية (٨٤) من سورة الشعراء: «وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْأَخِرِينَ».
١٩/ ٥٣- ٥١ وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَ كَانَ رَسُولًا نَبِيّاً (٥١) وَ نَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً (٥٢) وَ وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (٥٣)
موسى النبي المخلص: في هذه الآيات الثلاث إشارة قصيرة إلى موسى عليه السلام- وهو من ذرّية إبراهيم عليه السلام وموهبة من مواهب ذلك الرجل العظيم- حيث سار على خطاه.
وتوجّه الآية الخطاب إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وتقول: «وَاذْكُرْ فِى الْكِتبِ مُوسَى».
ثم تذكر خمس مواهب وصفات من المواهب التي أعطيت لهذا النبي الكبير:
١- إنّه وصل في طاعته وعبوديته للَّهإلى حدّ «إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا». ولا ريب أنّ الذي يصل إلى هذه المرتبة سيكون مصوناً من خطر الانحراف والتلوّث، لأنّ الشيطان رغم كل إصراره على إضلال عباد اللَّه، يعترف هو نفسه بعدم قدرته على إضلال المخلصين: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» [١].
٢- «وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا». فحقيقة الرسالة أن تلقى مهمّة على عاتق شخص، وهو مسؤول عن أدائها وإبلاغها، وهذا المقام كان لجميع الأنبياء المأمورين بالدعوة.
إنّ ذكر كونه «نبيّاً» هنا إشارة إلى علوّ مقام هذا النبي العظيم، لأنّ هذه اللفظة في الأصل مأخوذة من (النّبْوَة) وتعني رفعة المقام وعلوّه.
٣- وأشارت الآية التالية إلى بداية رسالة موسى، فقالت: «وَندَيْنهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ
[١] سورة ص/ ٨٢ و ٨٣.