مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٦ - ٢٢ سورة الحج
يوم يليه لينهض المرء للقيام بأعمال خيّرة تعوّض عمّا فاته وتؤثّر في مصيره. ثم أشارت الآية التالية إلى السيادة المطلقة لربّ العالمين يوم القيامة: «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ». وهذا أمر ملازم للَّهالحاكم الدائم والمالك المطلق، وليس ليوم القيامة فقط.
ولكن كل هذا يزول وتتّضح حقيقة وحدانية المالك والحاكم يومئذ.
وبما أنّ اللَّه هو المالك الحقيقي، فهو إذن الحاكم الحقيقي، وتعمّ حكومته على المؤمنين والكافرين على السواء، ونتيجة ذلك كما يقول القرآن المجيد: «فَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى جَنتِ النَّعِيمِ». الجنّات التي تتوفّر فيها جميع المواهب وكل الخيرات والبركات.
ويضيف القرآن الكريم: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بَايَاتِنَا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ».
عذابٌ يذلّ الكفرة والذين كذّبوا بآيات اللَّه، اولئك الذين عاندوا اللَّه واستكبروا على خلقه يهينهم اللَّه.
وبما أنّ الآيات السابقة تناولت المهاجرين من الذين طردوا من ديارهم وسلبت أموالهم، لأنّهم قالوا: ربّنا اللَّه، ودافعوا عن شريعته، فقد اعتبرتهم الآية التالية مجموعة ممتازة جديرة بالرزق الحسن وقالت: «وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».
في تفسير القرطبي: سبب نزول هذه الآية أنّه لمّا مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبدالأسد، قال بعض الناس: من قتل في سبيل اللَّه أفضل ممّن مات حتف أنفه، فنزلت هذه الآية مسويّة بينهم، وأنّ اللَّه يرزق جميعهم رزقاً حسناً. وظاهر الشريعة يدلّ على أنّ المقتول أفضل.
وعرضت الآية الأخيرة صورة من هذا الرزق الحسن: «لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ». فإذا طردوا من منازلهم في هذه الدنيا ولاقوا الصعاب، فإنّ اللَّه يأويهم في منازل طيّبة في الآخرة ترضيهم من جميع الجهات.
وتنتهي هذه الآية بعبارة: «وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ». أجل، إنّ اللَّه عالم بما يقوم به عباده، وهو في نفس الوقت حليم لا يستعجل في عقابهم، من أجل تربية المؤمنين في ساحة الإمتحان هذه، وليخرجوا منها وقد صلب عودهم وإزدادوا تقرّباً إلى اللَّه.