مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨ - ٢١ سورة الأنبياء
وكذلك إذا رأيتم أنّ العقوبة الإلهية لا تحيط بكم فوراً، فلا تظنّوا أنّ اللَّه سبحانه غير عالم بعملكم، فلا أعلم لعلّه إمتحان لكم: «وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتعٌ إِلَى حِينٍ». ثم يأخذكم أشدّ مأخذ ويعاقبكم أشدّ عقاب.
لقد أوضحت الآية في الواقع حكمتين لتأخير العذاب الإلهي:
الاولى: مسألة الامتحان والاختبار، فإنّ اللَّه سبحانه لا يعجّل في العذاب أبداً حتى يمتحن الخلق بالقدر الكافي، ويُتمّ الحجة عليهم.
والثانية: إنّ هناك أفراداً قد تمّ اختبارهم وحقّت عليهم كلمة العذاب حتماً، إلّاأنّ اللَّه سبحانه يوسّع عليهم النعمة ليشدّد عليهم العذاب، فإذا ما غرقوا في النعمة تماماً، وغاصوا في اللذائذ، أهوى عليهم بسوط العذاب ليكون أشدّ وآلم، وليحسّوا جيّداً بألم وعذاب المحرومين والمضطهدين.
وتتحدث آخر آية هنا- وهي آخر آية من سورة الأنبياء- كالآية الاولى من هذه السورة عن غفلة الناس الجهّال، فتقول حكاية عن النبي صلى الله عليه و آله في عبارة تشبه اللعن، وتعكس معاناته صلى الله عليه و آله من كل هذا الغرور والغفلة، وتقول: إنّ النبي صلى الله عليه و آله بعد مشاهدة كل هذا الإعراض «قَالَ رَبّ احْكُم بِالْحَقّ» [١]. وفي الجملة الثانية يوجّه الخطاب إلى المخالفين ويقول:
«وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ».
إنّه ينبّه هؤلاء بكلمة (ربّنا) إلى هذه الحقيقة، وهي أنّنا جميعاً مربوبون ومخلوقون، وهو ربّنا وخالقنا جميعاً.
والتعبير ب «الرّحمن»، والذي يشير إلى الرحمة العامة، يعيد إلى أسماع هؤلاء أنّ الرحمة الإلهية قد عمّت كل وجودنا، فلماذا لا تفكّروا لحظة في خالق كل هذه النعمة والرحمة.
وجملة «الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ» يحذّر هؤلاء بأن لا تظنّوا أنّا وحيدون أمام جمعكم وكثرتكم، ولا تتصوروا أنّ كل إتهاماتكم وأكاذيبكم، سواء كانت على ذات اللَّه المقدسة، أو علينا، ستبقى بدون جواب وجزاء، كلّا مطلقاً، فإنّه تعالى سندنا ومعتمدنا جميعاً، وهو قادر على أن يدافع عن عباده المؤمنين أمام كل أشكال الكذب والإفتراء والإتهام.
«نهاية تفسير سورة الأنبياء»
[١] لا شكّ أنّ حكم اللَّه سبحانه بالحقّ دائماً، وعلى هذا فإنّ ذكر كلمة (بالحقّ) هنا له صبغة التوضيح.