مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - ١٧ سورة الإسراء
لقد تحدّثت الآيات القرآنية السابقة عن القضايا التي تتصل بالمعاد والحساب، لذلك فإنّ الآيات التي نبحثها الآن تتحدّث عن قضية «حساب الأعمال» التي يتعرض لها البشر، وكيفية ومراحل إنجاز ذلك في يوم المعاد والقيامة حيث يقول تعالى: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنهُ طِرَهُ فِى عُنُقِهِ». «الطائر»: يعني الطير، ولكن الكلمة هنا تشير إلى معنى آخر كان سائداً ومعروفاً بين العرب؛ إذ كانوا يتفألون بواسطة الطير؛ وكانوا يعتمدون في ذلك على طبيعة الحركة التي يقوم بها الطير. فمثلًا إذا تحرّك الطير من الجهة اليمنى، فهم يعتبرون ذلك فألًا حسناً وجميلًا، أمّا إذا تحرّك الطير من اليُسرى فإنّ ذلك في عُرفهم وعاداتهم علامة الفأل السيّء، أو ما يعرف بلغتهم بالتطيّر.
إنّ القرآن يبيّن أنّ التفؤل الحسن والسيّء أو الحظ النحس والجميل، إنّما هي أعمالكم لا غير، والتي ترجع عهدتها إليكم وتتحملون على عاتقكم مسؤولياتها، وهذه الأعمال لا تنفصل عنكم في الدنيا ولا في الآخرة.
يقول القرآن بعد ذلك: «وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيمَةِ كِتَابًا يَلْقهُ مَنشُورًا».
والمقصود من «الكتاب» في الآية الكريمة هي صحيفة الأعمال لا غير، وهي نفس الصحيفة الموجودة في هذه الدنيا والتي تثبّت فيها الأعمال، ولكنها هنا (في الدنيا) مخفية عنّا ومكتومة، بينما في الآخرة مكشوفة ومعروفة.
في هذه اللحظة يقال للإنسان: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا».
يعني أنّ المسألة- مسألة المصير- بدرجة من الوضوح والعلنية والإنكشاف، بحيث لا مجال لانكارها.
وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ» قال: «يذكر العبد جميع ما عمل، وما كتب عليه، حتى كأنّه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّاأحصاها».
الآية التي بعدها توضّح أربعة أحكام أساسية فيما يخص مسألة الحساب والجزاء على الأعمال، وهذه الأحكام هي:
١- أوّلًا تُقرر أنّ «مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ» حيث تعود النتيجة عليه.
٢- ثم تُقرر أيضاً أنّ «وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا».
وقرأنا نظير هذين الحكمين في الآية السابعة من هذه السورة في قوله تعالى: «إِنْ