مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٢ - ٢٥ سورة الفرقان
أوّلًا: «أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا».
هذا الظل الممتد والمنتشر هو ذلك الظل المنتشر على الأرض بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وأهنأ الظلال والساعات هي تلك؛ لأنّه تعالى يقول على أثر ذلك: «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا». إشارة إلى أنّ مفهوم الظل لم يكن ليتّضح لو لم تكن الشمس.
بعد ذلك يبيّن تعالى: ثم إنّنا نجمعه جمعاً ويئداً، «ثُمَّ قَبَضْنهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا».
من المعلوم أنّ الشمس حينما تطلع فإنّ الظلال تزول تدريجياً، حتى يحين وقت الظهر حيث ينعدم الظل تماماً في بعض المناطق، وفي مناطق اخرى يصل إلى أقل من طول الشاخص، ولهذا فالظل لا يظهر ولا يختفي دفعةً واحدةً، وهذا نفسه حكمة الخالق، ذلك لأنّ الإنتقال من النور إلى الظلمة بشكل فجائي يكون ضاراً بجميع المخلوقات.
بعد ذكر نعمة الظلال، تناول القرآن الكريم بالشرح نعمتين اخريين متناسبتين معها تناسباً تاماً، فيكشف جانباً آخر من أسرار نظام الوجود الدالة على وجود اللَّه، يقول تعالى: «وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ لِبَاسًا».
هذا الحجاب الظلامي الذي لا يستر الناس فقط، بل كل الموجودات على الأرض ويحفظها كاللباس، ويلتحفه الإنسان كالغطاء الذي يستفيد منه أثناء النوم، أو لإيجاد الظلام.
ثم يشير تعالى إلى نعمة النوم: «وَالنَّوْمَ سُبَاتًا».
«السبات»: في اللغة من «سبت» بمعنى القطع، ثم جاء بمعنى تعطيل العمل للإستراحة.
هذا التعبير إشارة إلى تعطيل جميع الفعاليات الجسمانية أثناء النوم.
النوم في وقته وبحسب الحاجة إليه، مجدد لجميع طاقات البدن، وباعث للنشاط والقوة، وأفضل وسيلة لهدوء الأعصاب.
وفي ختام الآية أشار تعالى إلى نعمة «النهار» فقال تعالى: «وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا».
«النشور»: في الأصل من النشر بمعنى البسط، في مقابل الطي وربّما كان هذا التعبير إشارة إلى انتشار الروح في أنحاء البدن، حين اليقظة التي تشبه الحياة بعد الموت، أو إشارة إلى انتشار الناس في ساحة المجتمع، والحركة للمعاش على وجه الأرض.
فضياء النهار من حيث روح وجسم الإنسان باعث على الحركة حقّاً، كما أنّ الظلام باعث على النوم والهدوء.