مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣ - ١٦ سورة النحل
سبحانه للمسلمين الذين بايعوه: لا يحملنّكم قلة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة فإنّ اللَّه حافظكم. أي: اثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول وأكدتموه بالأيمان.
التّفسير
الوفاء بالعهد دليل الإيمان: في هذه الآيات قسماً آخر من تعاليم الإسلام المهمة (الوفاء بالعهد والأيمان). يقول أوّلًا: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ». ثم يضيف: «وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ».
إنّ معنى «عهد اللَّه» هو: العهود التي يبرمها الناس مع اللَّه تعالى (وبديهي أنّ العهد مع النبي عهد مع اللَّه أيضاً)، وعليه فهو يشمل كل عهد إلهي وبيعة في طريق الإيمان والجهاد وغير ذلك.
أمّا مسألة «الأيمان» (جمع يمين، أي: القسم) التي وردت في الآية- والتي عرض فيها المفسرون آراء كثيرة- فلها معنى واسع، ويتّضح ذلك عند ملاحظة مفهوم الجملة حيث إنّه يشمل العهود التي يعقدها الإنسان مع اللَّه عزّ وجل، بالإضافة إلى ما يستعمله من أيمان في تعامله مع خلق اللَّه.
وحيث إنّ الوفاء بالعهد أهم الاسس في ثبات أيّ مجتمع كان، تواصل الآية التالية ذكره باسلوب يتّسم بنوع من اللوم والتوبيخ، فتقول: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا» [١].
والآية تشير إلى (رايطة) تلك المرأة التي عاشت في قريش زمن الجاهلية، وكانت هي وعاملاتها يعملن من الصباح حتى منتصف النهار في غزل ما عندهن من الصوف والشعر، وبعد أن ينتهين من عملهن تأمرهن بنقض ما غزلن، ولهذا عرفت بين قومها ب (الحمقاء).
ثم يضيف القرآن الكريم قائلًا: «تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ» [٢]. أي: لا تنقضوا عهودكم مع اللَّه بسبب أنّ تلك المجموعة أكبر من هذه فتقعوا في الخيانة والفساد.
واعلموا: «إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ».
[١] «أنكاث»: جمع (نكث) على وزن (قسط) بمعنى حلّ خيوط الصوف والشعر بعد برمها، وتطلق أيضاً على اللباس الذي يصنع من الصوف والشعر.
[٢] «الدّخل»: (على وزن الدغل)، بمعنى الفساد والتقلب ومنها اخذ معنى (الداخل).