مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٦ - ٢٨ سورة القصص
الشرارة الاولى للوحي: نصل الآن- إلى المقطع السابع- من هذه القصة ..
لا يعلم أحد- بدّقة- ما جرى على موسى في سنواته العشر مع شعيب، ولا شك أنّ هذه السنوات العشر كانت من أفضل سنوات العمر لموسى عليه السلام. ومن البديهي أنّ موسى عليه السلام لا يقنع في قضاء جميع عمره برعي الغنم، وإن كان وجود «شعيب» إلى جانبه يعدّ غنيمة كبرى، فعليه أن ينهض إلى نصرة قومه، وأن يخلصهم من قيود الأسر، وينقذهم من حالة الجهل وعدم المعرفة.
إنّ القرآن يقول في أوّل من آية هذا المقطع: «فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا». ثم التفت إلى أهله و «قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنّى ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلّى ءَاتِيكُم مّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ». أي (تتدفؤون).
«آنست»: مشتقة من مادة «إيناس»، ومعناها المشاهدة والرؤية المقترنة بالهدوء والراحة. «جذوة»: هي القطعة من النار.
ويستفاد من قوله «لَّعَلّى ءَاتِيكُم مّنْهَا بِخَبَرٍ» أنّه كان أضاع الطريق، كما يستفاد من جملة «لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ» أنّ الوقت كان ليلًا بارداً.
«فَلَمَّا أَتهَا». أي أتى النار التي آنسها ورآها، فتعجب موسى من ذلك: «نُوِدىَ مِن شطِىِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ».
«الشاطىء»: معناه الساحل؛ و «الوادي»: معناه الطريق بين الجبلين، أو ممر السيول؛ و «الأيمن»: مشتق من «اليمين» خلاف اليسار، وهو صفة للوادي؛ و «البقعة»: القطعة من الأرض المعروفة الأطراف.
ولا شك أنّ اللَّه سبحانه قادر على أن يجعل الأمواج الصوتية في كل شىء، فأوجد في الوادي شجرة ليكلّم موسى.
ومع الإلتفات إلى أنّ موسى عليه السلام سيتحمل مسؤولية عظيمة وثقيلة .. فينبغي أن تكون عنده معاجز عظيمة من قبل اللَّه تعالى مناسبة لمقامه النبوي، وقد أشارت الآيات إلى قسمين مهمين من هذه المعاجز:
الاولى قوله تعالى: «وَأَن أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقّبْ».
في هذه الحال سمع موسى عليه السلام مرّة اخرى النداء من الشجرة: «يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ».