مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٠ - ١٨ سورة الكهف
نظره على قطعة نقود ترجع في قدمها إلى (٣٠٠) سنة، وقد يكون اسم (دقيانوس) الملك الجبار مكتوباً عليها، وعندما طلب منه توضيحاً قال له بأنّه حصل عليها حديثاً.
وهنا أحسّ الشخص بأنّه وأصحابه كانوا في نوم عميق وطويل.
هذه القضية كان لها صدى كالقنبلة في المدينة، وقد انتقلت عبر الألسن إلى جميع الأماكن. فقسم منهم لم يكن قادراً على التصديق بأنّ الإنسان يمكن أن يعود للحياة بعد الموت، إلّاأنّ قصة أصحاب الكهف أصبحت دليلًا قاطعاً لُاولئك الذين يعتقدون بالمعاد الجسماني. ولذا فإنّ القرآن يبيّن أنّنا كما قمنا بإنامتهم نقوم الآن بإيقاظهم حتى ينتبه الناس:
«وَكَذلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ». ثم أضاف تعالى: «وَإِنَّ السَّاعَةَ لَارَيْبَ فِيهَا».
إنّ هذه الإنامة والإيقاظ هي أكثر إثارة للعجب من الموت والحياة في بعض جوانبهما، فمن جهة قد مرّت عليهم مئات السنين وهم نيام وأجسامهم لم تفن أو تتأثّر، وقد بقوا طوال هذه المدّة بدون طعام أو شراب، إذن كيف بقوا أحياءً طيلة هذه المدّة؟
أليس هذا دليلًا قاطعاً على قدرة اللَّه على كل شيء؟ فالحياة بعد الموت، بعد مشاهدة هذه القضية ممكنة حتماً.
بعض المؤرخين كتب يقول: إنّ الشخص الذي أرسل لتهيئة الطعام وشرائه، عاد بسرعة إلى الكهف وأخبر رفقاءه بما جرى، وقد تعجّب كل منهم، فطلبوا من الخالق جلّ وعلا أن يميتهم، وينتقلون بذلك إلى جوار رحمته، وهذا ما حدث.
لقد ماتوا ومضوا إلى رحمة ربّهم، وبقيت أجسادهم في الكهف عندما وصله الناس.
وهنا حدث النزاع بين أنصار المعاد الجسماني وبين من لم يعتقد به، فالمعارضون للمعاد كانوا يريدون أن تنسى قضية نوم ويقظة أصحاب الكهف بسرعة، كي يسلبوا أنصار المعاد الجسماني هذا الدليل القاطع، لذا فقد اقترح هؤلاء أن تغلق فتحة الغار، حتى يكون الكهف خافياً إلى الأبد عن أنظار الناس. قال تعالى: «إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا».
ولأجل إسكات الناس عن قصّتهم كانوا يقولون: لا تتحدثوا عنهم كثيراً، إنّ قضيتهم معقّدة ومصيرهم محاط بالألغاز. لذلك فإنّ: «رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ». أي: اتركوهم وشأنهم واتركوا الحديث عن قصّتهم.