مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٠ - ٢٩ سورة العنكبوت
٢٩/ ٤٥ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَ أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)
إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: بعد الفراغ من بيان أقسام مختلفة من قصص الامم السابقة وأنبيائهم العظام، يتوجه الخطاب- على سبيل تسلية الخاطر، وإراءة الخط الكلي أو الخطوط العامة- للنبي صلى الله عليه و آله ويأمره بما ينبغي عليه أن يفعل. فيبدأ أوّلًا بقوله: «اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتبِ» ... أي إقرأ هذه الآيات فسوف تجد فيها ما تبتغيه وتطلبه من العلم والحكمة والنصح، ومعيار معرفة الحق من الباطل.
وبعد بيان هذا الأمر الذي يحمل طابعاً تعليمياً، يأتي الأمر الثاني الذي هو محور أصيل للتربية فيقول تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَوةَ».
ثم يبيّن فلسفة الصلاة الكبرى فيقول: «إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ» [١].
طبيعة الصلاة- حيث إنّها تذكر بأقوى رادع للنفس، وهو الإعتقاد بالمبدأ والمعاد- فإنّها تردع عن الفحشاء والمنكر.
إنّ النهي عن الفحشاء والمنكر له سلسلة درجات ومراتب كثيرة، وكل صلاة مع رعاية الشروط لها نسبة من هذه الدرجات.
في تفسير مجمع البيان عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «من أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعت صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه».
ويقول القرآن تعقيباً على ما ذكره ومن شأن الصلاة: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».
وظاهر الجملة هو بيان غاية وحكمة اخرى فيالصلاة، أي أنّ أثراً آخر من آثار الصلاة وبركاتها أهم من كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر هو تذكير الإنسان بربّه، هذا الذكر هو أساس السعادة والخير، بل العامل الأصلي للنهي عن الفحشاء والمنكر أيضاً هو ذكر اللَّه، وكونه أكبر لأنّه العلة والأساس للصلاة.
وحيث إنّ نيّات الناس، وميزان حضور القلب منهم في الصلاة وسائر العبادات، كل ذلك متفاوت جدّاً، فإنّ الآية تختتم بالقول: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ». أي يعلم ما تصنعون
[١] إنّ الفحشاء هي إشارة للذنوب الكبيرة الخفية، وأمّا المنكر فهو الذنوب الكبيرة الظاهرة، أو أنّ الفحشاء هي الذنوب التي تنتج بغلبة القوى الشهوانية، والمنكر من أثر القوى الغضبية.