مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٠ - ٢٨ سورة القصص
قيل: يا رسول اللَّه ومتى ساعة الغفلة؟ قال: «ما بين المغرب والعشاء». والحق أنّ هذه الساعة ساعة غفلة وكثيراً ما تحدث الجنايات والفساد والإنحرافات الأخلاقية في مثل هذه لساعة من أوّل الليل .. فلا الناس مشغولون بالكسب والعمل، ولا هم نائمون، بل هي حالة غفلة عمومية تغشى المدينة عادةً في هذه الساعة.
وموسى دخل المدينة، وهنالك واجه مشادّة ونزاعاً، فاقترب من منطقة النزاع «فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هذَا مِن شِيعَتِهِ وَهذَا مِنْ عَدُوّهِ».
والتعبير ب «شيعته» يدلّ على أنّ موسى قبل أن يبعث كان له أتباع وأنصار وشيعة من بني إسرائيل.
فلما بصر الإسرائيلي بموسى استصرخه، «فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوّهِ».
فجاءه موسى عليه السلام لإستنصاره وتخليصه من عدوّه الظالم .. الذي يقال عنه أنّه كان طباخاً في قصر فرعون، وكان يريد من الإسرائيلي أن يحمل معه الحطب إلى القصر، فضرب موسى هذا العدو بقبضة يده القوية على صدره، فهوى إلى الأرض ميتاً في الحال. تقول الآية: «فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ» [١].
ومما لا شك فيه، فإنّ موسى لم يقصد أن يقتل الفرعوني، لذلك فإنّ موسى عليه السلام أسف على هذا الأمر: «قَالَ هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطنِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ».
فإنّ موسى عليه السلام كان يريد أن يبعد الفرعوني عن الرجل الإسرائيلي، وإن كان الفرعونيون يستحقون أكثر من ذلك، لكن ظروف ذلك الوقت لم تكن تساعد على مثل هذا العمل.
ثم يتحدث القرآن عن موسى عليه السلام فيقول: «قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
ومن المسلم به أنّ موسى عليه السلام لم يصدر منه ذنب هنا، بل ترك الأولى، فكان ينبغي عليه أن يحتاط لئلا يقع في مشكلة، ولذلك فإنّه استغفر ربّه وطلب منه العون.
لذلك فإنّ موسى عليه السلام حين نجا بلطف اللَّه من هذا المأزق: «قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ» من عفوك عني وانقاذي من يد الأعداء وجميع ما أنعمت علي منذ بداية حياتي لحدّ الآن «فَلَنْ
[١] «وكز»: مأخوذ من «الوكز» ومعناه الضرب بقبضة اليد، وهناك معان اخرى لا تناسب المقام.